كواليس التشديدات الأمنية غير المسبوقة في امتحانات البكالوريا بالجزائر ومخاوف السلطات

تعيش المنظومة التربوية في الجزائر حالة من الاستنفار الشامل تزامناً مع اقتراب امتحانات شهادة البكالوريا لدورة يونيو 2026، حيث كشفت السلطات عن حزمة من الإجراءات التنظيمية والأمنية غير المسبوقة التي تهدف إلى تحصين نزاهة أهم اختبار تعليمي في البلاد، وتأتي هذه الخطوات المشددة استحضاراً لأزمات تسريب المواضيع التي هزت القطاع قبل عقد من الزمن، مما دفع الحكومة لتبني منهجية حازمة في إدارة مراكز الامتحانات، وهو ما أثار انقساماً واسعاً بين مؤيد يراها ضرورة قصوى لحماية تكافؤ الفرص، ومعارض يحذر من تحويل القاعات إلى بيئة “عسكرية” قد تؤثر سلباً على الحالة النفسية للمترشحين.
سياسة الجزائر في مكافحة الغش
اعتمد الديوان الوطني للامتحانات والمسابقات في دليل تسيير مراكز الإجراء نظاماً صارماً يقضي بفرض عزل إجباري لكافة المقتنيات الشخصية للمترشحين، وتضمنت التعليمات تخصيص قاعات مؤمنة عند مداخل المراكز لإيداع المقتنيات التالية:
- الهواتف النقالة، والحواسيب، وأدوات الاتصال بكافة أنواعها.
- المحافظ، والمستندات، والكراريس.
- الأكياس الشخصية وكافة الملحقات.
ويُمنع منعاً باتاً تجاوز هذه القاعات بأي وسيلة اتصال، في خطوة استباقية تهدف إلى قطع الطريق تماماً أمام محاولات الغش الإلكتروني التي شهدت تطوراً لافتاً في السنوات الأخيرة.
صلاحيات رقابية موسعة للأساتذة الحراس
منحت الوثيقة الرسمية المنظمة للامتحانات صلاحيات رقابية واسعة للأساتذة الحراس تتيح لهم التدخل الفوري عند وجود أي ريبة تجاه أي مترشح، فبموجب القوانين الجديدة، يحق للحارس إجراء تفتيش دقيق للمترشح إذا اشتبه في سلوكه، وفي حال ضبط أي وسيلة غش، يتم توقيف الطالب فوراً عن مواصلة الامتحان دون انتظار نهاية الحصة، مع البدء المباشر في تفعيل الإجراءات العقابية، كما حذرت السلطات من استخدام أي أوراق خارجية غير تلك المسلمة داخل المركز، معتبرة ذلك قرينة ثابتة على الغش تستوجب الإقصاء النهائي.
التبعات القانونية وعقوبات الغش في الجزائر
لم تعد العقوبات تقتصر على الجانب التربوي أو الإقصاء الدراسي فحسب، بل امتدت لتشمل الملاحقة القضائية في أروقة المحاكم، ففي حال ثبوت الغش أو اكتشاف تواطؤ من قبل المؤطرين والأساتذة، يُحال الملف فوراً إلى الجهات القضائية استناداً إلى الفصل التاسع من قانون العقوبات تحت بند “المساس بنزاهة الامتحانات والمسابقات”، وتصل الإجراءات إلى ذروتها في حالات “انتحال الشخصية”، حيث يتم توقيف المنتحل داخل المركز وإبلاغ مصالح الأمن ومديرية التربية فوراً لاتخاذ تدابير جنائية قد تنتهي بالسجن، مما يعكس رغبة الدولة في فرض الانضباط المطلق.
تباين الآراء حول صرامة الإجراءات
تتفاوت وجهات النظر حول هذه التدابير بين الجانب البيداغوجي والجانب الاجتماعي، ويمكن تلخيص هذا التباين في الجدول التالي:
| الطرف | وجهة النظر | التحذيرات/المطالب |
|---|---|---|
| المختص عمار بلحسن | الصرامة ضرورة لحماية الامتحان المصيري من تكرار تسريبات 2016. | ضرورة الموازنة بين الردع وتوفير مناخ ذهني ملائم لتجنب تشتت الطلاب. |
| ممثل الأولياء ناصر جيلالي | الحلول الأمنية يجب أن تظل إجراءات مؤقتة فقط. | التركيز على الجانب التحسيسي لترسيخ قيم الاجتهاد بدلاً من سياسة الردع. |
مواجهة تحديات الغش الرقمي وتأمين المصداقية
تتوجس السلطات الجزائرية من ظهور أساليب تقنية متطورة قد تتجاوز أدوات الرقابة التقليدية، وهو ما يفسر سرية بعض الإجراءات والتنسيق الوثيق مع مصالح الأمن والدرك الوطني لتأمين عمليات نقل وتوزيع المواضيع، وتسعى وزارة التربية من خلال هذه الاستراتيجية الشاملة إلى إغلاق كافة المنافذ التي قد تضرب مصداقية شهادة البكالوريا، معتبرة أن أي خلل في التأمين يمثل تهديداً للاستقرار الاجتماعي وصورة المنظومة التربوية في الخارج، وذلك في ظل رهان الدولة على تخريج نخب كفؤة بعيداً عن ثقافة “الحصول على الشهادة بأي ثمن”.
