أخبار العالم

الجزائر تطلق خطة استراتيجية كبرى لمكافحة السرطان في أفق 2035

نُشر يوم: 1 مايو 2026

في ظل التصاعد المقلق لمعدلات الإصابة بالسرطان، وما يترتب عليه من أعباء صحية واقتصادية واجتماعية متزايدة، تبرز الاستراتيجية الوطنية للوقاية من السرطان ومكافحته في أفق 2035 كإطار مرجعي شامل يهدف إلى إعادة تنظيم الجهود برؤية استشرافية، خاصة بعدما تجاوز عدد الحالات الجديدة عتبة 50 ألف إصابة سنويًا، مع توقعات بارتفاع هذه الأرقام نتيجة التحولات الديموغرافية وتغير أنماط العيش، الأمر الذي يفرض تبني مقاربة أكثر شمولية وفعالية.

ويمثل استكمال إعداد مشروع هذه الاستراتيجية، تحت إشراف رئاسة الجمهورية وبقيادة البروفيسور عدّة بونجار، منعطفًا حاسمًا في كيفية إدارة أحد أكثر الملفات الصحية تعقيدًا وحساسية في الجزائر، إذ لا يمكن قراءة هذه الخطوة كإجراء تقني أو صحي عابر، بل هي خيار استراتيجي يعكس تحولًا جذريًا في رؤية الدولة تجاه الصحة العمومية، عبر الانتقال من منطق التدخل العلاجي التقليدي إلى منطق الاستباق والتخطيط طويل المدى، وهو ما يسعى موقع “أقرأ نيوز 24” لتسليط الضوء عليه.

أولاً: الركائز الأساسية ومحاور الاستراتيجية

تستند هذه الاستراتيجية إلى مجموعة من المحاور المتكاملة التي تنم عن فهم عميق لطبيعة المرض وتعقيداته، حيث تأتي في مقدمتها تعزيز الوقاية الأولية من خلال تقليص عوامل الخطر، عبر إطلاق حملات وطنية لمكافحة التدخين، وتشجيع التغذية الصحية، وترسيخ ثقافة النشاط البدني، بالإضافة إلى التوسع في التلقيحات ضد الفيروسات المسببة للسرطان، وفي مقدمتها فيروس الورم الحليمي البشري.

كما يركز المحور الثاني على تطوير منظومة الكشف والتشخيص المبكر، حيث تراهن الاستراتيجية على رفع نسب الكشف بشكل ملموس، لا سيما في سرطانات الثدي وعنق الرحم والقولون، لما لذلك من تأثير مباشر في خفض معدلات الوفيات وتحسين فرص الشفاء، مع العمل بالتوازي على تحسين التكفل العلاجي عبر تحديث الهياكل الصحية، وتوسيع قدرات العلاج بالأشعة، وتوفير الأدوية المبتكرة، لضمان تقليص الفوارق الجغرافية في الوصول إلى الرعاية.

ولا تتوقف الطموحات عند هذا الحد، بل تشمل الاستراتيجية محاور حيوية تتعلق بتكوين الموارد البشرية، ودعم البحث العلمي، ورقمنة النظام الصحي بالكامل من خلال إنشاء سجل وطني دقيق للسرطان، بما يسمح بتتبع المؤشرات بدقة واتخاذ قرارات علاجية وإدارية مبنية على أدلة علمية.

ثانياً: الغايات التي تسعى الاستراتيجية لتحقيقها

تهدف هذه الرؤية إلى إحداث نقلة نوعية في التعامل مع مرض السرطان، عبر التحول من مرحلة “رد الفعل” إلى مرحلة “الفعل الاستباقي”، سعياً لتقليص معدلات الإصابة على المدى البعيد، ورفع نسب الشفاء، وتحسين جودة حياة المرضى، مع ضمان تحقيق عدالة صحية تتيح لكل مواطن، بغض النظر عن موقعه الجغرافي، فرصاً متكافئة في الحصول على العلاج.

علاوة على ذلك، تسعى الاستراتيجية إلى تخفيف الضغوط الاقتصادية التي يفرضها المرض على كاهل الأسر والدولة، وذلك من خلال ترشيد النفقات الصحية ورفع كفاءة الإنفاق عبر التخطيط الدقيق المعتمد على البيانات والمعطيات الواقعية.

ثالثاً: الأهداف الاستراتيجية الوطنية

حددت الاستراتيجية مجموعة من الأهداف الكبرى التي تسعى للوصول إليها، ومن أبرزها:

  • رفع نسب الكشف المبكر لتتجاوز 60-70% في أنواع السرطانات ذات الأولوية.
  • العمل على تقليص معدلات الوفيات المرتبطة بالسرطان بشكل تدريجي ومستدام.
  • تحسين نسب البقاء على قيد الحياة لمدة خمس سنوات بعد التشخيص.
  • تقليل فترات الانتظار للحصول على العلاج، وخاصة في مجال العلاج الإشعاعي.
  • تعميم التغطية الصحية النوعية والمتخصصة في مجال الأورام عبر كافة التراب الوطني.

رابعاً: الرهانات والتحديات القائمة

رغم الطموح الكبير لهذا المشروع، إلا أنه يواجه مجموعة من الرهانات التي تتطلب تضافر الجهود، ومن أهمها:

  • ضمان توفير تمويل مستدام لتنفيذ كافة البرامج المسطرة.
  • تحقيق تنسيق فعال ومتكامل بين مختلف الجهات والمتدخلين في القطاع الصحي.
  • تأهيل الموارد البشرية باستمرار لمواكبة التطورات العلمية والطبية المتسارعة.
  • العمل على تغيير السلوكيات المجتمعية الخاطئة المرتبطة بعوامل الخطر.
  • القضاء على الفوارق بين المناطق في مستوى الخدمات الصحية المقدمة.

خامساً: الأهمية المجتمعية والوطنية

تتجاوز هذه الاستراتيجية في جوهرها البعد الصحي لتلامس أبعاداً اجتماعية وإنسانية عميقة، فهي تعكس التزام الدولة بحماية مواطنيها وصون كرامتهم، إيماناً بأن السرطان ليس مجرد مرض عضوي، بل هو تجربة قاسية تمس الفرد والأسرة والمجتمع، مما يجعل التصدي له يتطلب تعبئة وطنية شاملة ورؤية جماعية.

إن مجرد إعداد هذه الاستراتيجية يعد مؤشراً على نضج مؤسساتي، وإدراكاً تاماً بأن مواجهة التحديات الكبرى لا تتم إلا عبر التخطيط السليم والتقييم المستمر، وإذا ما تم تنفيذها بالصرامة المطلوبة، فإنها ستشكل نموذجاً ناجحاً في إدارة الأزمات الصحية، وخطوة فعلية نحو بناء منظومة صحية عصرية، أكثر عدلاً ونجاعة.

الخلاصة: نحن أمام مشروع وطني بامتياز، يجسد طموح الدولة في حماية أبنائها، ويترجم إرادة سياسية حقيقية لتحويل التحديات الصحية إلى فرص للإصلاح والتقدم الشامل.

سارة جلال

صحفي ومحرر أخبار في موقع أقرأ 24 نيوز، متخصص في تغطية ومتابعة أخبار الاقتصاد، الرياضة، مصر، السعودية، والتعليم. يعمل على تقديم محتوى خبري وتحليلي يعتمد على التحقق من المصادر الرسمية والتحديث المستمر للمعلومات، مع مراعاة تبسيط الأحداث للقارئ وربطها بتأثيرها على الواقع اليومي. يساهم في إعداد التقارير الخاصة والملفات التفسيرية، ويهتم بتقديم محتوى متوازن يوضح الحقائق بعيدًا عن الإثارة المضللة، بما يعزز ثقة القارئ ويواكب معايير الجودة والموثوقية
زر الذهاب إلى الأعلى