لا يبدو تراجع أسعار الذهب رغم تصاعد التوترات الجيوسياسية بين الولايات المتحدة وإيران مجرد مفارقة سوقية، بل يعكس تحولاً عميقاً في آليات انتقال الصدمات داخل الأسواق المالية العالمية، حيث قرأت الأسواق التصعيد العسكري بوصفه صدمة تضخمية أعادت تشكيل توقعات السياسة النقدية بدلاً من اعتباره مجرد محفز للطلب على الملاذات الآمنة التقليدية.

فمع اندلاع الحرب، قفزت أسعار النفط والغاز، مما رفع توقعات التضخم على مستوى العالم، وتراجعت على إثر ذلك رهانات المتعاملين على قرب خفض أسعار الفائدة الأمريكية، وصعدت عوائد السندات الحكومية وقوة الدولار، وهي جميعاً عوامل تشكل ضغوطاً هبوطية قوية على الذهب في الأجل القصير، حيث يزيد ارتفاع العوائد من تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بأصل لا يدر دخلاً.

صدمة حرب تعيد تسعير السياسة النقدية

لم تترجم الحرب في الأسواق المالية كصدمة خوف تدفع تلقائياً نحو الذهب، بل فُسرت على نطاق واسع كصدمة تضخمية تهدد بتمسك التضخم عند مستويات مرتفعة لفترة أطول، مما دفع المتعاملين إلى إعادة تسعير المسار المستقبلي لأسعار الفائدة، وأظهرت القراءة الأولية لمؤشر مديري المشتريات الأمريكي لشهر مارس ارتفاعاً حاداً في تكاليف المدخلات وأسعار البيع، مما يشير إلى انتقال صدمة الطاقة من مرحلة الإنتاج إلى المستهلك النهائي.

وبناءً على ذلك، لم يعد تحرك الذهب انعكاساً مباشراً لتصاعد التوترات العسكرية فحسب، بل أصبح رهيناً للآثار غير المباشرة للحرب، وعلى رأسها ارتفاع عوائد السندات وقوة الدولار، حيث عزز تسعير مخاطر التضخم الطويل الأجل من جاذبية الأصول ذات العائد، على حساب الأصول غير المنتجة مثل الذهب.

وتعكس الأرقام هذا التحول بوضوح، حيث خسر المعدن الأصفر أكثر من 21% من ذروته التاريخية المسجلة في 29 يناير 2026 عند 5594.82 دولاراً للأوقية، كما تراجع بنحو 17% منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير، على الرغم من بعض الارتدادات الفنية اللاحقة.

أبقى مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي في منتصف مارس معدل الفائدة ضمن نطاق 3.50%-3.75%، مشيراً في توقعاته إلى أن التضخم لا يزال أعلى من المستهدف وسط بيئة من عدم اليقين، وصعد العائد على سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات من نحو 4.05% في أوائل مارس إلى 4.39% في 20 من الشهر ذاته، مما يزيد الضغط على الذهب.

الأسئلة الشائعة

لماذا تراجع الذهب رغم التوترات الجيوسياسية بين أمريكا وإيران؟
لأن الأسواق فسرت الحرب كصدمة تضخمية ترفع توقعات التضخم، مما أدى إلى إعادة تسعير السياسة النقدية وتوقعات رفع أسعار الفائدة. هذا دفع عوائد السندات والدولار للصعود، مما يزيد الضغط على الذهب كأصل لا يدر دخلاً.
كيف أثرت الحرب على توقعات السياسة النقدية؟
أدت صدمة ارتفاع أسعار الطاقة إلى رفع توقعات التضخم عالمياً. نتيجة لذلك، تراجعت توقعات خفض أسعار الفائدة الأمريكية، وارتفعت عوائد السندات الحكومية، مما شكل بيئة ضاغطة على أسعار الذهب في الأجل القصير.
ما هي العوامل الرئيسية التي تضغط على سعر الذهب حاليًا؟
العوامل الرئيسية هي ارتفاع عوائد السندات الحكومية (مثل عائد الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات) وقوة الدولار الأمريكي. يزيد ارتفاع العوائد من تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بالذهب، مما يقلل من جاذبيته مقارنة بالأصول ذات العائد.