«”التقاعد قبل الوفاة بسنتين”» المجلس الاقتصادي والاجتماعي يعيد طرح ملف رفع سن التقاعد ليواجه رفضًا شعبيًا واسعًا

«”التقاعد قبل الوفاة بسنتين”» المجلس الاقتصادي والاجتماعي يعيد طرح ملف رفع سن التقاعد ليواجه رفضًا شعبيًا واسعًا

أثارت توصية أعلن عنها المجلس الاقتصادي والاجتماعي، بشأن تعديلات مرتقبة على قانون الضمان الاجتماعي، جدلاً واسعاً في الشارع الأردني، مستندة إلى الدراسة الاكتوارية الحادية عشرة، حيث تضمنت رفع سن تقاعد الشيخوخة تدريجياً ليصل إلى 63 عاماً للذكور و58 عاماً للإناث، مقارنة بالسن المعمول به حالياً في قانون الضمان الاجتماعي والذي يبلغ 60 عاماً للذكور و55 عاماً للإناث.

أبدى عدد من المواطنين مخاوفهم من هذه الخطوة، معتبرين أنها لا تتناسب مع الظروف الاقتصادية الراهنة، ولا مع واقع سوق العمل في المملكة، خاصة في ظل ارتفاع معدلات البطالة وصعوبة حصول كبار السن على فرص عمل مستقرة.

وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، تنوعت ردود الفعل بين السخرية والاعتراض والقلق، حيث علق يزن القيسي ساخراً: “موافق على كل شيء، بس غيروا اسم المؤسسة لـ أنت وحظك”، فيما اقترحت سارة فياضة، على سبيل المزاح، أن يكون سن التقاعد للإناث 28 عاماً فقط، بينما علق محمود الطريفي قائلاً: “ليش لا نجعله 70 سنة؟”.

وفي سياق الانتقادات، وصفت أسمهان داود التوصية بأنها “مهزلة قبل الوفاة بسنتين”، في حين تساءل فادي هواش عما إذا كان القرار سيطبق بأثر رجعي، مشيراً إلى أن تطبيقه على المشتركين الحاليين قد يدفع المواطنين للمطالبة بإغلاق المؤسسة واستعادة أموالهم.

كما عبر محمد أبو الروس عن إحباطه، معتبراً أن الاشتراك في الضمان الاجتماعي “غير مجدٍ في ظل حكومة تبحث عن جيب المواطن”، بينما ترى هنادي أبو غوش أن المؤسسة قد لا تتمكن مستقبلاً من دفع رواتب تقاعدية مناسبة، وأن الاستفادة الأكبر ستكون لأصحاب الرواتب المرتفعة.

ويصف علي السايس الواقع بالاستعباد، مشيراً إلى أن سنوات العمل الطويلة بالكاد تكفي لتأمين حياة كريمة، في ظل ظروف عمل صعبة وأجور محدودة.

في المقابل، يرى آخرون أن رفع سن التقاعد يتماشى مع المعايير العالمية، إذ تؤكد سناء أبو نجمة أن سن التقاعد في العديد من دول العالم يتراوح بين 62 و65 عاماً، فيما يعتبر يزن خير أن رفعه إلى 63 عاماً للذكور قرار منطقي ويواكب الاتجاهات الدولية.

من جهته، أوضح المجلس الاقتصادي والاجتماعي أن التوصيات تهدف إلى تعزيز الشمول التأميني، وضبط التقاعد المبكر، ورفع مدة الاشتراك، إلى جانب تقديم حوافز تشجع المشتركين على الاستمرار في سوق العمل لفترات أطول.

كما شملت التوصيات تعزيز حق المرأة في الاستمرار بالعمل بعد بلوغ سن التقاعد دون الحاجة لموافقة صاحب العمل، إضافة إلى الحد من التهرب التأميني، وتطوير استراتيجية استثمار أموال الضمان لضمان استدامتها المالية.

دراسة معمقة للمخرجات ضرورة حتمية

يؤكد خبير التأمينات والحماية الاجتماعية والحقوقي موسى الصبيحي، خلال حديثه لـ”عمان نت”، أن أي تعديلات مقترحة على قانون الضمان الاجتماعي تحتاج إلى دراسة معمقة قبل اعتمادها، خصوصاً فيما يتعلق برفع سن التقاعد.

ويوضح الصبيحي أن رفع سن التقاعد إلى 63 أو 64 عاماً قد يخلق إشكاليات اجتماعية واقتصادية، خاصة لمن يفقدون وظائفهم بعد سن 55 عاماً، إذ سيضطرون للانتظار سنوات طويلة دون مصدر دخل، مما قد ينعكس سلباً على الحماية الاجتماعية، ويرفع معدلات الفقر والبطالة.

ويشدد على ضرورة أن تخضع أي تعديلات لدراسة دقيقة من مؤسسة الضمان الاجتماعي قبل رفعها إلى مجلس الوزراء، لضمان عدم إحداث آثار جانبية على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، مشيراً إلى أن ملف رفع سن الشيخوخة لا يزال محل جدل واسع، إذ تتباين الآراء بين من يقترح رفع سن التقاعد للذكور إلى ما بعد 60 عاماً وللإناث إلى ما بعد 55 عاماً، وبين من يتحفظ أو يرفض هذا الطرح.

الوضع الحالي ومدى جاهزية الأردن

تشير بيانات مؤسسة الضمان الاجتماعي إلى ارتفاع ملحوظ في عدد المتقاعدين الجدد في الأردن خلال السنوات الأخيرة، حيث ارتفع من نحو 19,677 متقاعداً في عام 2022 إلى قرابة 26,875 متقاعداً في عام 2023، وهو ما يعكس اتساع الاعتماد على التقاعد كخيار للخروج من سوق العمل، سواء بشكل طبيعي أو مبكر.

يبين الصبيحي أن الأردن غير جاهز حالياً لرفع سن التقاعد بشكل إلزامي، لافتاً إلى أن النظام الحالي يمنح المشتركين خيار الاستمرار في العمل حتى سن 65 للذكور و60 للإناث لمن يرغب، الأمر الذي يسهم في تحسين الرواتب التقاعدية ويوفر مرونة أكبر في سوق العمل دون آثار سلبية كبيرة.

بالمقارنة مع الأنظمة الدولية، يتبين أن متوسط سن التقاعد في العديد من الدول المتقدمة يتراوح بين 62 و65 عاماً، إلا أن تلك الدول غالباً ما تعتمد على أنظمة حماية اجتماعية قوية وبرامج دعم البطالة وإعادة التأهيل المهني، مما يجعل تطبيق رفع سن التقاعد أكثر قابلية دون خلق فجوة اقتصادية للمواطنين.

ويشدد الصبيحي على أن أي تعديل يرتبط برفع سن التقاعد يجب أن يستند إلى دراسة شاملة تشمل الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والإدارية والمالية والسياسية، لضمان عدم تأثيره على البطالة والفقر أو استقرار سوق العمل في القطاعين العام والخاص.

أبرز مخرجات الحوار الوطني

حول مخرجات الحوار الوطني بشأن تعديلات قانون الضمان الاجتماعي، يوضح الصبيحي أنه شارك في عدد من جلسات المجلس الاقتصادي والاجتماعي، مشيراً إلى أن المخرجات ركزت على ثلاثة محاور رئيسية هي: حوكمة المؤسسة، واستدامة النظام التأميني، والحماية والعدالة الاجتماعية.

ومن أبرز المخرجات:

  • توسيع قاعدة المشمولين بالضمان الاجتماعي لتشمل العاملين في أنماط العمل التقليدي والمرن والجزئي، والعاملين عبر المنصات الرقمية، إضافة إلى السماح بالاشتراك الاختياري لأبناء الأردنيات المتزوجات من غير أردنيين، وأبناء قطاع غزة والضفة الغربية المقيمين في المملكة، بما يعزز استدامة النظام ويوسع مظلة الحماية الاجتماعية، بحسب الصبيحي.
  • توصيات تتعلق بتحسين الحماية في حالات إصابات العمل والأمراض المهنية، من خلال تمديد مدة متابعة حالات الانتكاسة من سنة إلى سنتين، ورفع مدة ظهور أعراض الأمراض المهنية بعد انتهاء خدمة العامل من سنتين إلى ثلاث سنوات، بهدف ضمان حماية أوسع للمؤمن عليهم.
  • تحسين الرواتب التقاعدية المتدنية، عبر إعادة صياغة المادة 89 التي تلزم مجلس الوزراء بمراجعة الحد الأدنى لراتب التقاعد وراتب الاعتلال بما يحقق العدالة بين مختلف شرائح المتقاعدين.
  • مراعاة العاملين في المهن الخطرة عند احتساب رواتب التقاعد، من خلال إعداد جدول خصم خاص يعكس مدة اشتراكهم الأقصر نسبياً، إلى جانب ضمان استمرارية التغطية التأمينية للعامل في حال عمله لدى أكثر من جهة في الوقت نفسه.
  • بالنسبة للأردنيين المغتربين، تمت التوصية بدراسة نظام اشتراك خاص يشجعهم على الاشتراك الاختياري.
  • ضبط التقاعد المبكر عبر وضع شروط أكثر صرامة، دون إلغاء الحق فيه، مع ضرورة مراعاة التعديلات المطلوبة في قانون العمل والمادة 100 من نظام إدارة الموارد البشرية في القطاع العام.

مقارنة بين القانون الحالي والتوصيات المقترحة

يظهر التعديل الأكثر إثارة للجدل، عند المقارنة بين القانون الحالي والتوصيات، في رفع سن تقاعد الشيخوخة.

الفئةالسن الحالي (قانون الضمان الاجتماعي)السن المقترح (توصيات المجلس الاقتصادي والاجتماعي)
الذكور60 عاماً63 عاماً (تدريجياً)
الإناث55 عاماً58 عاماً (تدريجياً)