
جفرا نيوز –
عوني الداوود
قبل الخوض في أية ملاحظات حول مخرجات “الحوار الوطني” بشأن التعديلات المقترحة لقانون الضمان الاجتماعي، والتي أعلنها “المجلس الاقتصادي والاجتماعي” بالأمس، لا بد من التأكيد أولاً على أن “الحوار” يمثل جوهر عمل المجلس الاقتصادي والاجتماعي، خاصة وأنه الجهة المؤهلة بامتياز لإدارة مثل هذه الحوارات التي تكرس من خلالها “الحكومة” مبدأ التشاركية والشفافية في التشريعات التي تقع ضمن اختصاص المجلس واهتماماته.
يضم “المجلس الاقتصادي والاجتماعي” في عضويته نخبة من المختصين يمثلون الوزارات والمؤسسات والهيئات الرسمية، إلى جانب ممثلي أصحاب العمل، وممثلي العمال، وممثلي مؤسسات المجتمع المدني، بالإضافة إلى الأكاديميين وممثلي الشباب الرواد، مما يجعله بهذه التركيبة يمثل كافة الأطراف المعنية في أي حوار، وقد أجرى المجلس، تحديدًا في “الحوار الوطني” حول الضمان الاجتماعي والتعديلات الضرورية للقانون في ضوء نتائج الدراسة الاكتوارية الحادية عشرة، حوارات معمقة مع تسع مجموعات شملت جميع الجهات المعنية بقضايا الضمان الاجتماعي، بما في ذلك الأحزاب السياسية، وأصحاب العمل، والنقابات العمالية والمهنية، ونقابة الصحفيين، ومؤسسات المجتمع المدني، ومراكز البحوث، والأكاديميين والخبراء، فضلاً عن الكتل الحزبية النيابية الخمس في مجلس النواب وغيرهم.
تضمن “الحوار الوطني” الذي أشرف عليه المجلس نقاشات مركزة حول قضايا رئيسية مثل التقاعد المبكر، وتقاعد الشيخوخة، والتهرب التأميني، وضعف العوائد الاستثمارية للضمان، وقصور شمول العمالة غير المنظمة، وقد نجح الحوار في تحقيق ما يلي:
- تكوين فهم وطني مشترك لواقع أوضاع مؤسسة الضمان الاجتماعي.
- توفير أرضية وطنية موسّعة للنقاش المستنير.
- بناء توافقات حول أولويات إصلاح النظام التأميني.
كل ذلك بهدف تعزيز استدامة الضمان وقدرته على الوفاء بالتزاماته على المدى الطويل.
نتائج الحوار الوطني: ملاحظات وتوصيات رئيسية
تستحق مخرجات الحوار الوطني التوقف عند ملاحظات مهمة، تتلخص بالنقاط التالية:
1- أوصت مخرجات الحوار بالرفع التدريجي لسن تقاعد الشيخوخة، بحد أقصى يصل إلى 63 عامًا للذكور، و58 عامًا للإناث، وتهدف هذه التوصية، بلا شك، إلى إطالة أمد نقطة التعادل التي ستصل إليها مؤسسة الضمان الاجتماعي في العامين 2030 و2038، وهذا يعد هدفًا رئيسيًا، وستُظهر دراسات مؤسسة الضمان لاحقًا كم سنة سيزيدها الرفع التدريجي لسن تقاعد الشيخوخة، مما سيجعل المركز المالي لمؤسسة الضمان أكثر أمانًا واستدامة، وربما حتى العام 2050.
2- أوصت مخرجات الحوار بالحد من التقاعد المبكر ورفع الحد الأدنى لمدة الاشتراك الفعلي لاستحقاقه، وجميعنا يدرك أن “التقاعد المبكر”، وفقًا للدراسات الاكتوارية، يُعد أحد أهم الأسباب التي أضرت بالمركز المالي للضمان، وتؤكد الدراسات أن العديد من أنظمة الضمان في العالم تخلو من “التقاعد المبكر”، وتُظهر الدراسات الاكتوارية الحقائق التالية حول التقاعد المبكر:
| الوصف | النسبة |
|---|---|
| نسبة المتقاعدين مبكرًا من إجمالي المتقاعدين | 64% |
| نسبة استهلاكهم من فاتورة الرواتب | 61% |
ورغم هذه الأرقام، لم تكن هناك توصية بإلغاء “التقاعد المبكر”، بل بـ”ضبطه” وحصره في الحالات الطوعية والمهن الخطرة (مع إعادة تعريف وتقييم وتصنيف مفهوم المهن الخطرة)، وتضمنت التوصيات كذلك رفع الحد الأدنى لمدة الاشتراك الفعلي لاستحقاق “التقاعد المبكر”، وتقليص الفجوة بين سن التقاعد المبكر وسن تقاعد الشيخوخة.
3- من أهم التوصيات التي توصل إليها الحوار الوطني، وتهم المتقاعدين على وجه الخصوص، كانت التوصية برفع الرواتب المتدنية للمتقاعدين (حيث تقل رواتب حوالي 20 ألف متقاعد في الضمان عن 200 دينار شهريًا)، وتقليص فجوة رواتب التقاعد، بالإضافة إلى إلزامية الشمول للمشتركين متعددي الوظائف لدى أكثر من جهة عمل وبكافة التأمينات.
4- من مخرجات الحوار، توصية مهمة في محور “الحوكمة”، وهي استحداث نموذج متقدم لتعيين محافظ للضمان، على غرار محافظ البنك المركزي، مع تعيين ثلاثة مفوضين برتبة أمين عام، لشؤون التأمينات، ولشؤون الاستثمار، وللخدمات المؤسسية.
5- في محور “الاستدامة”، كانت من أهم التوصيات توسيع مظلة الشمول التأميني لتشمل فئات غير مشمولة بالقانون الحالي، والحد من التهرب التأميني، وتطوير الاستراتيجية الاستثمارية لصندوق استثمار أموال الضمان الاجتماعي.
خلاصة وتوصيات عامة
أ) يعتبر هذا إنجازًا مهمًا، حيث أدار “المجلس الاقتصادي والاجتماعي” حوارًا وطنيًا باقتدار لملف حيوي يهم جميع مشتركي الضمان الاجتماعي والأجيال القادمة، وقد أسهم هذا الحوار في بلورة مقاربات إصلاحية متوازنة، استنادًا إلى الدراسة الاكتوارية للضمان، وما كشفت عنه من تحديات تأمينية ومالية، وانتهى الحوار بتوصيات عملية قابلة للتنفيذ، مع الموازنة بين الاستدامة المالية للضمان والمحافظة على حقوق المشتركين، وتوسيع نطاق الحماية الاجتماعية.
ب) من المهم التأكيد على أن الضمان الاجتماعي منظومة متكاملة ومرتبطة بجميع القوانين والتشريعات الأخرى، ويجب التعامل معه بشمولية، فهناك قوانين وتشريعات تؤثر على الضمان، وفي مقدمتها “قانون العمل”، ولا يمكن ضبط التقاعد المبكر، على سبيل المثال، في ظل وجود قرارات تتخذ ويتم بموجبها إحالة آلاف العاملين، في القطاعين العام والخاص على حد سواء، إلى التقاعد المبكر، فلم يعد من المنطقي أن يتحمل “الضمان” أعباء أخطاء قرارات تتخذ دون دراسة شمولية.
ج) يعد الوضع الاقتصادي الضاغط، والتعطل عن العمل، من أكبر المسببات للتقاعد المبكر، ولذلك فإن الحل الحالي والمستقبلي يكمن في تحقيق مستهدفات “رؤية التحديث الاقتصادي”، عبر جذب استثمارات قادرة على رفع معدلات النمو وبالتالي خلق مزيد من الوظائف، وبهذا تتوسع مظلة الشمول التأميني، وتقل الإحالات على التقاعد المبكر.
