وثائق إبستين تُسقط بيتر عطية تواصلات مشبوهة ومحاولة يائسة لتبييض الصورة بملف علاج الضحايا

وثائق إبستين تُسقط بيتر عطية تواصلات مشبوهة ومحاولة يائسة لتبييض الصورة بملف علاج الضحايا

كشفت مراسلات ووثائق جيفري إبستين، المفرج عنها حديثًا من وزارة العدل الأمريكية، عن تواصل بين إبستين والطبيب بيتر عطية، المهاجر من أصول مصرية والذي يحمل الجنسيتين الأمريكية والكندية، ويُعد أحد أبرز المتخصصين في أبحاث إطالة العمر.

ظهرت المراسلات التي جمعت بين بيتر عطية وإبستين منذ عام 2014، مُبينةً تواصلهما الدائم ودعوة إبستين لعطية لزيارة جزيرته. بيتر عطية، وهو أب لثلاثة أبناء، يُعد أحد الأسماء التي جرى تسويقها إعلاميًا في الغرب بوصفه “خبيرًا صحيًا لامعًا” و “صوتًا تقدميًا” في قضايا الجسد، والحرية، والمرأة.

لكن عطية ليس مجرد طبيب أو باحث في إطالة العمر؛ بل يندرج، في نظر منتقديه، ضمن رموز أقباط المهجر، وهي موجة ارتبط خطاب بعض رموزها بسرديات تصادمية مع الهوية الثقافية والدينية المصرية، وهو من أشد منتقدي الحجاب للمرأة.

فهو أكاديمي جمع بين الهندسة الميكانيكية والطب في جامعة ستانفورد، وصاحب حضور رقمي كثيف يُقدّم من خلاله نفسه كمرجعية علمية في الصحة والشيخوخة. وفي الوقت نفسه، يُعرف عنه تبنّي خطاب أيديولوجي حاد تحت لافتات “حقوق المرأة” و “التحرر”، يَعرض فيه الحجاب باعتباره رمزًا للقمع.

من “الخبير الصحي” إلى دائرة إبستين

مؤخرًا، وبعد أن حقق بيتر عطية جماهيرية واسعة بصفته خبيرًا في الصحة البدنية، جرى تعيينه مساهمًا صحيًا في شبكة CBS الأمريكية، إلا أنه أُقصي عن منصبه سريعًا. جاء هذا الإقصاء بعدما أُثير جدل واسع عقب الكشف عن مراسلات إلكترونية ذات طابع جنسي فاضح ربطته بفضائح جيفري إبستين، وذلك ضمن وثائق أعادت وزارة العدل الأمريكية نشرها في سياق القضية الشهيرة.

فُوجئ بيتر عطية بوجود رسائله مع إبستين ضمن الوثائق المفرج عنها من وزارة العدل الأمريكية، وقد أقرّ عطية بصحتها واعتذر عنها علنًا، وذلك بعد أن تضمنت عبارات وإيحاءات وصفها هو نفسه بأنها “محرجة وغير قابلة للدفاع”.

ورغم نفيه القاطع لأي تورط جنائي، أو علمه أو مشاركته في جرائم إبستين، فإن اللغة المستخدمة في المراسلات، وطبيعة العلاقة، كانت كافية لإشعال عاصفة من الانتقادات والتشكيك في الصورة الأخلاقية التي جرى تصديرها لسنوات.

لطالما حافظ بيتر عطية على الظهور بشخصية المدافع الشرس عن النساء، ورافض لأي ممارسات يعتبرها “قمعًا للجسد أو للحرية”، بينما تظهره الوثائق في تواصل ساخر وخفيف مع واحد من أشهر المتورطين في استغلال القاصرات جنسيًا في التاريخ الحديث.

وما كشفته الوثائق عن قصة بيتر عطية، يعكس نمطًا متكررًا في المنظومة الإعلامية الغربية، حيث حاول ارتداء قناع شخصية على غير شخصيته الحقيقية. وبعد اكتشاف شخصية بيتر عطية الحقيقية من مراسلاته مع “إبستين”، تقدم على الفور باعتذار قام بتعديل محتواه عدة مرات عبر منصة X، محاولًا السيطرة على الفضيحة التي تعرض لها.

قدم بيتر عطية اعتذارًا علنيًا في رسالة إلكترونية عبر منصة X، بعث بها إلى فريق عمله ومرضاه، مشيرًا إلى أن ثقتهم ومصداقيتهم وجهودهم تمثل مسؤولية يدركها تمامًا، ومشددًا على حقهم في “سرد كامل وصادق لما حدث وما لم يحدث”. وأوضح أن تأخره في الحديث كان بدافع الحرص على الدقة والشمول.

نفي أي تورط جنائي

أشار عطية إلى أن الهدف من نشر وزارة العدل الأمريكية لهذه الوثائق هو تحديد الأفراد الذين شاركوا في نشاط إجرامي أو سهّلوه أو شهدوه، مؤكدًا أنه لا يندرج تحت أي من هذه الفئات، ولا يوجد دليل يثبت عكس ذلك. كما أكد أنه لم يكن متورطًا في أي نشاط إجرامي، فضلًا عن أن تفاعلاته مع إبستين لم تكن مرتبطة بأي اعتداء أو استغلال جنسي، ولم يسافر مطلقًا على متن طائرة إبستين، ولم يزر جزيرته، ولم يحضر أي حفلات جنسية.

ورغم ذلك، أقرّ بيتر عطية بندمه على وضع نفسه في موقف أصبحت فيه رسائل إلكترونية “محرجة وغير لائقة ولا يمكن الدفاع عنها” متاحة للعامة، معتبرًا ذلك خطأه الشخصي، ومؤكدًا تقبّله للإذلال المترتب عليه.

رسالة «وصلتني شحنة جديدة»

تطرّق عطية بشكل مباشر إلى أكثر المراسلات إثارة للجدل، والتي تعود إلى يونيو 2015، حين أرسل بريدًا إلكترونيًا إلى إبستين بعنوان «وصلتني شحنة جديدة»، مرفقًا بصورة لزجاجات دواء الميتفورمين الذي كان قد استلمه من الصيدلية لاستخدامه الشخصي في ذلك الوقت. وأوضح أن إبستين ردّ بعبارة «وأنا أيضًا» مرفقة بصورة لامرأة بالغة، وأنه ردّ حينها بعبارات بذيئة وغير لائقة.

وقال عطية: “قراءة تلك المحادثة الآن أمر مخزٍ بالنسبة لي، لن أدافع عنها، أشعر بالعار حيالها بالكامل”. وأضاف بيتر عطية في ذلك الوقت أنه “تعاملت معها كسلوك صبياني، ولم أعتبرها إشارة إلى أي أمر مظلم أو مؤذٍ”.

وبيّن عطية أنه تعرّف على إبستين عام 2014 من خلال إحدى القيادات النسائية البارزة في مجال الرعاية الصحية، أثناء جمعه تبرعات للبحوث العلمية، مشيرًا إلى أن إبستين كان آنذاك يتمتع بحضور علني في الأوساط الأكاديمية والخيرية. وأضاف أنه التقى إبستين بين صيف 2014 وربيع 2019 نحو سبع أو ثماني مرات في منزله بمدينة نيويورك، لمناقشة دراسات بحثية أو للقاء علماء، وأطباء، وقادة أعمال، من بينهم شخصيات عامة بارزة، وهو ما دفعه – حسب قوله – إلى افتراضات خاطئة أثرت على حكمه.

وأكد عطية أنه لم يكن طبيب إبستين، وإنما اقتصر دوره على الإجابة عن بعض الأسئلة الطبية العامة وتقديم توصيات بمقدمي رعاية صحية آخرين.

إدانة 2008 والتحول الحاسم

أوضح عطية أنه سأل إبستين مبكرًا عن إدانته عام 2008 في فلوريدا، والتي وصفها له إبستين على أنها “تهم متعلقة بالدعارة”، قبل أن يكتشف لاحقًا، في عام 2018، أن هذا الوصف كان “تقليلًا فاضحًا من حقيقة ما جرى”.

في نوفمبر 2018، قرأ بيتر عطية التحقيق الاستقصائي لصحيفة ميامي هيرالد، واصفًا ما ورد فيه بأنه “مقزز ومثير للغثيان”، ومؤكدًا أن ذلك شكّل نقطة فاصلة غيّرت نظرته بالكامل. وأشار إلى أنه طالب إبستين حينها بتحمّل المسؤولية، كما تواصل مع مركز متخصص في علاج الصدمات النفسية لفهم آليات تمويل رعاية الضحايا، وسعى إلى دفع إبستين لتغطية تكاليف علاجهم، وهو ما اعتبره لاحقًا خطأ نابعًا من سذاجته، مؤكدًا أن الانسحاب الكامل كان ينبغي أن يكون الخيار الوحيد.

اعتذار وتحمل للمسؤولية

شدد عطية على أن رسالته لا تهدف بأي حال إلى التقليل من الضرر الدائم الذي لحق بالضحايا، مؤكدًا أنه لا يطلب من أحد التغاضي عن الرسائل أو تبريرها.

وقال: “الرجل الذي أنا عليه اليوم لن يكتب تلك الرسائل، ولن يرتبط بإبستين على الإطلاق. نضجي الحالي لا يمحو ما كتبته في الماضي”. واختتم بالتأكيد على تحمله الكامل لمسؤولية أفعاله وتأثيرها على فريقه ومن حوله، مشددًا على أنه لا يطلب من أحد الدفاع عنه أو التحدث نيابةً عنه، ومتعهدًا بالإجابة مباشرة عن أي أسئلة ترد إليه.