
في تطور مهم بتاريخ فبراير 2026، أعلن المجلس الاقتصادي والاجتماعي عن نتائج الحوار الوطني المثمر بشأن التعديلات المقترحة على قانون الضمان الاجتماعي، وشملت هذه التعديلات البارزة رفعاً تدريجياً لسن تقاعد الشيخوخة ليصبح 63 عاماً للذكور و58 عاماً للإناث، بدلاً من السن المطبق حالياً وهو 60 و55 عاماً على التوالي، كما تضمنت التعديلات أيضاً ضبطاً دقيقاً لمفهوم التقاعد المبكر، وجعله استثناءً مع رفع الحد الأدنى لفترة الاشتراك اللازمة لاستحقاقه. تأتي هذه الإصلاحات الحيوية استجابةً مباشرةً لنتائج الدراسة الاكتوارية الحادية عشرة التي أعدتها المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي، والتي كشفت عن تحديات مالية محتملة يواجهها الصندوق على المدى الطويل، مما يستلزم إجراء إصلاحات متوازنة وحاسمة لضمان استدامته المالية.
لماذا التعديل؟ الخلفية الاقتصادية
يواجه نظام الضمان الاجتماعي حالياً ضغوطاً مالية متزايدة، نتيجة للانتشار الواسع للتقاعد المبكر وازدياد حالات التقاعد عند السن الأدنى، ما يؤثر سلباً على موارد الصندوق ويقلص الفائض التأميني المتاح لدفع المعاشات المستقبلية، وفي الأردن، تشير العديد من الدراسات المتخصصة إلى أن التقاعد المبكر يمثل أحد الأسباب الرئيسية للبطالة، ويحدّ من فرص العمل المتاحة للشباب الطموحين الباحثين عن دخول سوق العمل، بالإضافة إلى ما يسببه من تآكل للموارد المالية للصندوق نتيجة خروج أعداد كبيرة من المشتركين إلى التقاعد قبل الأوان المحدد.
التأثير على البطالة وسوق العمل
إن رفع سن التقاعد يعني أن الأفراد لن يغادروا سوق العمل عند سن 60 للرجال و55 للنساء، بل سيستمرون في العمل لفترة أطول تصل إلى 63 و58 عاماً على التوالي، مما يسهم في تخفيف الضغط على سوق العمل في فئة الشباب المتعطلين، حيث تقل حالات الخروج الجماعي إلى التقاعد في سن مبكرة، وقد يؤدي ذلك إلى زيادة العرض في سوق العمل لسنوات إضافية، وهو الأمر الذي قد يزيد من حدة المنافسة على الوظائف المتاحة في البداية، ولكنه بالمقابل يعزز الخبرة والإنتاجية على المدى المتوسط، وفي الأردن، حيث معدل البطالة مرتفع نسبياً، فإن إلغاء التقاعد المبكر ورفع السن الرسمي للتقاعد يمكن أن يساهم بشكل فعال في تخفيف الأعباء المالية على موازنات التوظيف والضمان الاجتماعي على المدى الطويل.
مدة الاستفادة من رواتب التقاعد
يؤدي رفع سن التقاعد إلى تقليل عدد السنوات التي يتقاضى فيها المتقاعد معاشه مقارنة بالقانون الحالي، فمثلاً، إذا كان متوسط العمر المتوقع بعد التقاعد يبلغ نحو 15 إلى 17 سنة، فإن تأخير سن التقاعد 3 سنوات (من 60 إلى 63) يعني تقليص فترة الاستفادة المادية من المعاش، مما يخفّض الضغط على الصندوق ويؤمن إيرادات أطول من الاشتراكات المتواصلة، وينطبق المنطق ذاته على الإناث، حيث تمتد سنوات العمل من 55 إلى 58 سنة، ما يحقق نفس الأهداف في تعزيز استدامة الصندوق.
تأثير التعديل على الاستدامة المالية
تستند التعديلات المقترحة بشكل أساسي إلى دراسة اكتوارية شاملة تشير إلى أنه بدون هذه الإصلاحات، فإن موارد الصندوق على المدى الطويل قد تتعرض لضغوط مالية كبيرة، نتيجة للمبالغات في حالات التقاعد المبكر وتآكل الاكتتابات مقارنة بالالتزامات المستقبلية، وعليه، فإن رفع السن الرسمي للتقاعد وتعقيد شروط التقاعد المبكر يعني زيادة سنوات الاشتراك في التأمين، وبالتالي رفع إجمالي الأموال المتراكمة للصندوق، بالإضافة إلى تقليل عدد السنوات التي يطالب فيها الأفراد بالمعاش بعد خروجهم من سوق العمل، ما يعزز بشكل كبير ملاءة الصندوق واستدامته المالية على المدى البعيد.
تأثير التعديل على القطاعات الاقتصادية
على مستوى القطاعات المختلفة، ستستفيد القطاعات التي تعتمد على الخبرة الطويلة مثل التعليم والصحة والإدارة العامة من بقاء الكفاءات لفترة أطول، وهو ما قد يسهم في رفع جودة الخدمات المقدمة، أما في القطاعات الديناميكية التي تعتمد على التطور التكنولوجي وتحديث المهارات باستمرار، فقد يتطلب الأمر وضع سياسات مواكبة لتحديث مهارات العمال الأكبر سناً، لضمان قدرتهم على المنافسة العادلة والفعالة في السوق.
تحليل بدء تطبيق التعديلات المقترحة
تُعد التعديلات التي أُعلن عنها حتى فبراير 2026 لا تزال في مرحلة تشاورية وتشريعية، وهي بالتالي ليست نافذة بعد، فقد وافق مجلس إدارة المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي على مقترح تعديل القانون، وأرسله إلى مجلس الوزراء لمتابعة مراحله الدستورية قبل أن يصبح قانوناً نافذاً بشكل رسمي.
وتشمل مراحل تطبيق التعديل ما يلي:
- الموافقة الحكومية: بعد موافقة مجلس الإدارة، تم إرسال مسودة التعديلات إلى مجلس الوزراء.
- النظر البرلماني: يناقش مشروع القانون في مجلس النواب، حيث يمكن تعديل نصوصه قبل التصويت عليه.
- النشر في الجريدة الرسمية: بعد موافقة البرلمان، يتم إعلان القانون بشكل رسمي ونشره، وهنا يبدأ نفاذ الأحكام.
- فترة انتقالية: من المتوقع أن يتضمن القانون فترة انتقالية (سنة إلى سنتين) لتطبيق رفع السن التدريجي، وخاصة على الفئات التي لم تصل سن التقاعد بعد.
تشير المصادر إلى أن التطبيق الفعلي للتعديلات على المشتركين الجدد والمتوسطة الأجل قد يبدأ في منتصف 2026 أو مطلع 2027، وذلك بعد الانتهاء من الإجراءات التشريعية، مع الاحتفاظ بالحقوق المكتسبة للمشتركين الذين استوفوا شروط التقاعد قبل النفاذ.
تأثيرات اجتماعية وصحية
في المهن التي تتطلب جهداً بدنياً كبيراً وتعتبر مرهقة جسدياً، يحتاج رفع السن إلى مراعاة استثناءات خاصة، لتجنّب تحميل العاملين فوق طاقتهم الصحية، كما يمكن أن يساهم رفع سن التقاعد في زيادة المدخرات الفردية، وبالتالي تحسين جودة الحياة بعد التقاعد، ومن جهة أخرى، يتطلب تعزيز فرص العمل وتحديث سوق العمل برامج تدريب مهني وتأهيل مستمر، خصوصاً للعمال فوق سن الخمسين عاماً، لضمان استمراريتهم الإنتاجية وفعاليتهم في السوق.
خاتمة وتوصيات
يُعد رفع سن التقاعد ووقف العمل بالتقاعد المبكر في الأردن خطوة إصلاحية محورية وهامة، تهدف إلى ضمان الاستدامة المالية والتوازن الدقيق بين الموارد والالتزامات لنظام الضمان الاجتماعي، ومع ذلك، فإن نجاح هذه التعديلات يعتمد بشكل كبير على عدة عوامل أساسية، وهي:
- تنفيذها تدريجياً وبشفافية تامة، مع حماية الحقوق المكتسبة للمشتركين الحاليين.
- توفير برامج تدريب وتأهيل مستمرة لضمان تنافسية العمال الأكبر سناً في سوق العمل المتغير.
- تعزيز فرص العمل للشباب من خلال تبني سياسات وظيفية فعّالة ومبتكرة.
- ضمان وجود استثناءات صحية ومهنية في الحالات التي تتطلب خروجاً مبكراً، بداعي الصحة أو المخاطر المهنية.
بهذا التوازن الشامل والمدروس، ستتحول هذه التعديلات إلى أداة قوية لتعزيز النمو الاقتصادي وتحقيق الاستقرار الاجتماعي المنشود.
