
في ظل التوترات الجيوسياسية المتصاعدة، يمثل قرار إسرائيل بوقف إمدادات الغاز الطبيعي لمصر تحديًا جديدًا لملف الطاقة المصري، حيث يضع هذا القرار القاهرة أمام اختبار حقيقي لقدرتها على المناورة بين خيارات استيراد بديلة، وتفعيل الإنتاج من الحقول المحلية، مع ضمان استقرار سوق الكهرباء والصناعة دون العودة إلى أزمات تخفيف الأحمال التي شهدتها البلاد سابقًا.
ما الذي حدث؟
مع تصاعد المواجهة العسكرية بين إسرائيل وإيران، وتورط واشنطن في شن ضربات على أهداف داخل طهران، أعلنت وزارة الطاقة الإسرائيلية إيقاف ضخ الغاز الطبيعي إلى مصر لأجل غير مسمى، بالتزامن مع إغلاق أو تقليص الإنتاج في حقلي “تمار” و”ليفياثان” الواقعين في شرق المتوسط، وذلك لدواعٍ أمنية وفنية طارئة. وقد أوضح مسؤولون إسرائيليون أن هذا القرار يستند إلى بند “القوة القاهرة” المنصوص عليه في عقود التوريد، والذي يسمح بتعليق الالتزامات في الظروف الاستثنائية مثل الحروب والتهديدات الأمنية المباشرة. تُقدر الكمية المتوقفة بنحو 1.1 مليار قدم مكعب يوميًا، وهي كمية حيوية كانت تستخدم لدعم الشبكة المصرية، وتغطية جزء من احتياجات محطات الكهرباء والصناعة، بالإضافة إلى تغذية محطات الإسالة في إدكو ودمياط عندما يتوفر فائض لإعادة التصدير. بهذا القرار، يجد شرق المتوسط نفسه أمام حلقة جديدة من تسييس إمدادات الطاقة، حيث تتحول الحقول البحرية إلى أوراق ضغط متبادلة بين أطراف الصراع.
ردّ القاهرة: «غرفة أزمات» وسيناريوهات بديلة
في القاهرة، سارعت وزارة البترول والثروة المعدنية بالتحرك، معلنة العمل وفق سيناريوهات معدة مسبقًا لتأمين احتياجات السوق المحلي، مؤكدة أن وقف ضخ الغاز من إسرائيل تتم إدارته عبر بدائل داخلية وخارجية، وأنه لا يوجد تأثير فوري على استقرار الكهرباء أو المستهلك المنزلي. وقد أشار المتحدث باسم الحكومة إلى انعقاد غرفة الأزمات لمتابعة تطورات هذا الملف، مع التأكيد على أنه من المبكر التنبؤ بمدى استمرار التوقف أو تحوله إلى حالة طويلة الأمد. وتكشف التقارير المتاحة، وفقًا لما نشره موقع أقرأ نيوز 24، أن مصر تعاقدت منذ عام 2025 على ثلاث سفن تغييز (وحدات استقبال غاز مسال) لمدة عامين ونصف، مما يتيح لها زيادة واردات الغاز المسال بسرعة لتعويض جزء من الفجوة حال الضرورة، إضافة إلى استخدام المازوت كوقود بديل في بعض محطات الكهرباء لضمان استقرار الشبكة. كما تعمل الحكومة على إعادة جدولة شحنات الغاز المسال المتعاقد عليها لزيادة الكميات المتدفقة خلال فترة الطوارئ.
الضغط على الكهرباء والصناعة… أين مكمن الخطر؟
يعتمد جزء مهم من استقرار شبكة الكهرباء في مصر على مرونة إمدادات الغاز عبر الأنابيب، التي تمكن من الاستجابة السريعة لارتفاع الأحمال، على عكس الغاز المسال الذي يتطلب تعاقدات وشحنات ومراحل تغييز أطول زمنيًا. ومع عودة مصر منذ عام 2024 إلى وضع مستورد صافٍ للغاز المسال لتغطية الفجوات، فإن أي انقطاع مفاجئ في الغاز الإسرائيلي يزيد من حساسية المنظومة لأي خلل أو موجة حرارة شديدة أو ارتفاع مفاجئ في الطلب. ويتمثل السيناريو الأكثر إزعاجًا في انتقال الضغط من شبكة الكهرباء إلى القطاع الصناعي، فالتجارب السابقة مع تقليص إمدادات حقل “ليفياثان” أظهرت أن الحكومة تلجأ أحيانًا لتقليل الغاز المتاح لبعض الصناعات كثيفة الاستهلاك، لإعطاء الأولوية لمحطات التوليد، ما انعكس في فترات سابقة على إنتاج وصادرات قطاعات حيوية مثل الأسمدة والبتروكيماويات. وبالتالي، فإن استمرار التوقف الحالي لفترة طويلة قد يفرض معادلة مشابهة: كهرباء مستقرة مقابل تقليل أحجام تشغيل بعض المصانع أو رفع تكلفة الوقود البديل.
ورقة العقود الطويلة… وحدود التصعيد
على الصعيد التعاقدي، ترتبط مصر وإسرائيل بعقود توريد طويلة الأجل تصل قيمتها إلى نحو 35 مليار دولار حتى عام 2040، تتضمن كميات متفق عليها وآليات للتسعير والتسوية، لكن بند “القوة القاهرة” يمنح الطرف المورد مساحة حركة واسعة في حالات الحرب. هذا يعني أن القاهرة لا تستطيع، في المدى القصير، التعويل على مسار قانوني سريع لإجبار تل أبيب على ضخ الغاز، بل يتوجب عليها إدارة الأمر سياسيًا واقتصاديًا من خلال:
- تعظيم إنتاج الحقول المحلية قدر المستطاع.
- توسيع الاعتماد المؤقت على الغاز المسال والمازوت.
- إعادة ترتيب أولويات التوزيع داخليًا بين الكهرباء والصناعة ومحطات الإسالة.
في المقابل، يتوقع محللون أن يبقى وقف الإمدادات مرتبطًا بالتقديرات الأمنية الإسرائيلية في حقول المتوسط، ما يعني أن أي توسع في رقعة الحرب أو تهديد للبنية التحتية البحرية قد يطيل أمد الأزمة، ويحولها من وقف فني مؤقت إلى ورقة ضغط جيوسياسية متكاملة الأركان.
هل تعود «أيام تخفيف الأحمال»؟
السؤال الذي يطرح نفسه بقوة في الشارع المصري هو: هل يعني وقف الغاز الإسرائيلي عودة سيناريو انقطاع الكهرباء؟ يؤكد خبراء الطاقة أن الإجابة ترتبط بمدى طول فترة التوقف، وبقدرة الحكومة على موازنة مزيج الوقود بين الغاز المحلي والمستورد والمازوت، إلى جانب كفاءة إدارة الأحمال في أوقات الذروة الصيفية. في المدى القصير، تؤكد التصريحات الرسمية، وفقًا لموقع أقرأ نيوز 24، أن تخفيف الأحمال ليس مطروحًا حاليًا، وأن الإجراءات الاستباقية في استيراد الغاز المسال وتوفير بدائل وقود لمحطات الكهرباء تمنح الشبكة هامش أمان معقولًا، لكن استمرار الغلق لفترات أطول قد يرفع فاتورة الاستيراد ويضغط على الموازنة العامة للدولة وسعر الصرف وتكاليف الإنتاج، بما يضع الحكومة أمام معادلة أكثر تعقيدًا خلال الأشهر المقبلة.
