
يطغى صوت التطورات العسكرية على ما سواه في تغطيات وسائل الإعلام لما يجري في إيران والمنطقة، الأولوية لدى الكثير منها هي لتطورات الضربات الجوية والهجمات الصاروخية وأعداد الضحايا والخسائر المادية، لكن ثمة أمر آخر يستوجب المتابعة: الأوضاع المعيشية في الداخل.
تحديات رصد الأوضاع المعيشية
ما يزيد من صعوبة رصد ومتابعة هذه الأوضاع ليس الأوضاع الأمنية وحدها، فانقطاع الإنترنت بشكل شبه كامل في أجزاء واسعة من البلاد مشكلة كبيرة تحول دون ذلك في أحيان كثيرة، رغم ذلك، تمكنت “الحرة” من التواصل مع بعض المصادر الإيرانية والمواطنين داخل البلاد، وتحدثت معهما عن الأوضاع الاقتصادية والمعيشية الصعبة هناك.
شعور الخوف والقلق
الإيرانيون الذين تواصلنا معهم، وفضلوا عدم الكشف عن أسمائهم حفاظاً على سلامتهم الشخصية، أكدوا أن الكثير من المواطنين يعيشون حالة من الخوف والقلق وعدم اليقين، بينما تتزايد الضغوط الاقتصادية والمعيشية يوماً بعد يوم.
الوضع الاقتصادي المتدهور
وتؤكد المؤشرات الاقتصادية هذا الواقع، إذ تُظهر حصول تدهور حاد في الوضع المعيشي داخل البلاد، خصوصاً بعد الضربات العسكرية الأخيرة التي طال بعضها مواقع وبنى تحتية، إلا أن الأزمة الاقتصادية في إيران لم تبدأ مع هذه الضربات، بل كانت قائمة ومتفاقمة منذ سنوات نتيجة العقوبات الدولية وسوء الإدارة الاقتصادية، قبل أن تتفاقم بشكل أكبر مع التصعيد العسكري الأخير.
معدلات التضخم القياسية
وفقاً لتقارير البنك المركزي الإيراني ومركز الإحصاء الإيراني، بلغ معدل التضخم في فبراير 2026 نحو 68.1%، وهو أعلى مستوى له منذ عقود، كما وصل التضخم الشهري إلى 9.4%، ما يعكس تسارعاً كبيراً في ارتفاع الأسعار خلال فترة قصيرة.
ارتفاع أسعار السلع الأساسية
| السلعة | نسبة الزيادة% |
|---|---|
| المواد الغذائية | 110% |
| الخبز والحبوب | 142% |
| اللحوم | 117% |
| منتجات الحليب والجبن والبيض | 108% |
| الفواكه | 113% |
| الزيوت النباتية | 207% |
الارتفاع الحاد في الأسعار طال معظم السلع الأساسية، ما أدى إلى تآكل القدرة الشرائية للمواطنين، حتى قبل الضربات الأميركية والإسرائيلية الحالية ضد إيران، خصوصاً أن الأجور لم ترتفع بالوتيرة نفسها، ففي الوقت الذي تضاعفت فيه أسعار العديد من السلع، لم تتجاوز زيادة الرواتب في عامي 2025 و2026 حدود 45%، ما وضع الطبقة المتوسطة والفقيرة تحت ضغط اقتصادي شديد.
أزمة الإمدادات النفطية
وبعد الضربات العسكرية الأخيرة، تفاقمت أيضاً أزمة الإمدادات النفطية، ما تسبب بانقطاعات متكررة للتيار الكهربائي في عدة مدن وظهور طوابير طويلة أمام محطات الوقود، كما ارتفعت أسعار البنزين والغاز المنزلي بشكل ملحوظ نتيجة تراجع الإنتاج واضطراب شبكات التوزيع.
تأثير الضربات على البنى التحتية
وتشير تقارير إعلامية إيرانية إلى أن الضربات أثرت على بعض البنى التحتية النفطية واللوجستية، ما أدى إلى اضطرابات في عمليات النقل والإمداد، ونتيجة لذلك، بدأت الأسواق تشهد نقصاً في بعض السلع الأساسية، مثل الزيوت النباتية، والأدوية، وعدد من المواد الغذائية.
الضغوط الاقتصادية المتزايدة
وفي ظل هذه الظروف، يواجه المواطن الإيراني ضغوطاً اقتصادية متزايدة، فإلى جانب التضخم المرتفع وارتفاع الأسعار، ارتفع معدل البطالة إلى نحو 7.8% في الربع الأخير من عام 2025 وبداية 2026، وتشير تقارير إيرانية إلى أن التضخم في المواد الغذائية تجاوز 100% في بعض القطاعات، ما دفع العديد من العائلات إلى تقليص إنفاقها على الغذاء والدواء.
اتساع رقعة الفقر
كما أدت الاضطرابات الاقتصادية إلى اتساع رقعة الفقر، حيث باتت شريحة متزايدة من المواطنين عاجزة عن تأمين احتياجاتها الأساسية، ومع تأثير الأوضاع العسكرية على الإمدادات وارتفاع تكاليف الاستيراد، أصبحت الضغوط الاقتصادية اليومية أكثر حدة بالنسبة للأسر الإيرانية.
خاتمة
يمكن القول إن الأزمة الاقتصادية في إيران لم تبدأ مع الضربات العسكرية الحالية، بل هي نتيجة تراكمات طويلة من العقوبات والاختلالات الاقتصادية الداخلية، غير أن الانفاق العسكري ومن ثم التصعيد ساهم في تعميق الأزمة بشكل كبير، من خلال تعطيل الإمدادات ورفع تكاليف الاستيراد والإنتاج، والنتيجة هي ارتفاع غير مسبوق في الأسعار، ونقص في بعض السلع الأساسية، ومعاناة متزايدة يعيشها المواطن الإيراني في حياته اليومية.
