“العيد فرحة”.. اليمنيون يتحدون غلاء أسعار الأضاحي وضيق الحال | سياسة

“العيد فرحة”.. اليمنيون يتحدون غلاء أسعار الأضاحي وضيق الحال | سياسة

مراسلو الجزيرة

صنعاء- يتقن اليمني الفرح لا الموت؛ ولهذا يبتكره مهما كانت الظروف. وبطبيعته، يبدو كائنا عصيا على الانكسار، لا تلويه الحروب، ولا قسوة الحياة قادرة على سلب روح البهجة من تفاصيله.

ومنذ القدم، كانت أدوات الحياة والنجاة من صنيعته، تتطور مع اختلاف الأزمات وتتكيف معها. واليوم، مع اقتراب عيد الأضحى المبارك، وفي ظل غلاء معيشي غير مسبوق، تحول العيد من مناسبة للاحتفال المترف إلى اختبار حقيقي للقدرة على الصمود الإنساني، حيث يواجه اليمنيون أثقل الأزمات الاقتصادية بابتسامة متوارثة وأمل لا ينفد.

يقول المواطن أبو زكريا (45 عاما) للجزيرة نت: “الناس يقولوا عيد وأنا أُفجع، ما فيش معي لا أضحية ولا كسيت الصغار، لكن أهم شيء أقدر أوفر كسوتهم، يكفي أن يفرح عيالي”. ورغم الظروف القاسية التي يعيشها اليمن ويعانيها أبو زكريا، إلا أنه متفائل بالحياة، حيث أضاف “نفرح بالحاصل، العافية كنز”.

السوق القديم في مديرية شرعب الرونة (الجزيرة)

تحدي قسوة الظروف

“أهم شيء العافية يا ولدي”، هذا هو الشعار الذي يرفعه اليمني في مواجهة الحزن وقسوة الظروف. منذ سنوات، وتحت وطأة الصراع المتواصل منذ أكثر من عقد، وانقطاع المرتبات الذي يدخل عامه الـ11، تحولت عبارة “العيد عيد العافية” إلى أيقونة شفهية يتداولها الناس لترميم انكساراتهم النفسية. ففي جوهرها، جدار حماية نفسي يتواسى به اليمنيون أمام عجز القدرة الشرائية عن ملاحقة أسعار الأضاحي أو كسوة الأطفال.

وبالنسبة للمجتمع اليمني، فالأولوية هي السلامة الجسدية والنفسية، ولمّ شمل الأسرة هو المكسب الحقيقي الذي لم تستطع الحرب مصادرته.

في هذا السياق، قالت الناشطة ضحى الأشعري، وهي من بنات منطقة التربة جنوب محافظة تعز، للجزيرة نت إن الناس لا يزالون يخرجون صباح العيد إلى المصليات في جماعات، رغم ما يثقل حياتهم من ظروف، وإن شعيرة الأضاحي تُقام بما تيسر، دون تكلف أو قدرة على مجاراة الأسعار.

وأضافت أن الأطفال يظلون أكثر حضورا في مشهد العيد، وهم يجمعون “العيدية” من الأقارب، في لحظة قصيرة تعيد إلى البيوت شيئا من الحيوية والدفء.

وتشير الأشعري إلى أن ما يبدو تفاصيل عابرة هو في الحقيقة ما يبقي العيد حيا في المجتمع اليمني، إذ تنعكس فرحة الأطفال على أسرهم كنوع من “الإنقاذ العاطفي المؤقت” من ضغط الواقع.

وتؤكد أن استمرار الزيارات العائلية وتبادل التهاني، رغم كل التحديات، يكشف عن تماسك اجتماعي لا يزال قائما، يتجدد كل عام في حدود الممكن، ويعيد إنتاج معنى العيد باعتباره مناسبة للنجاة العاطفية قبل أن يكون مناسبة للفرح الكامل.

يمنيون يشتكون من غلاء أسعار الأضاحي في ظل عدم صرف رواتبهم (الجزيرة)

ابتكار وسائل الفرح

من بين المآسي المتهافتة على الإنسان اليمني “تنفتح ثغرة للنور”، كما كان يردد شاعر اليمن الراحل عبد العزيز المقالح. فما إن يطرق العيد الأبواب، حتى تنفض المدن والقرى الغبار عن كاهلها، وتتحول البيوت إلى خلايا نحل لابتكار وسائل الفرح بأقل الإمكانيات أمام الارتفاع الجنوني لأسعار المواشي، فتشترك عائلات متعددة في أضحية واحدة، أو تتم الاستعاضة عنها بشراء كميات محدودة من اللحوم لضمان إدخال البهجة على الأطفال.

وكذلك تُستبدل المقتنيات الجاهزة بصناعة كعك العيد اليمني التقليدي في البيوت، لتفوح رائحة “المعجنات والبهارات” في الحارات، معلنة عن قدوم هذه المناسبة رغم الظروف. وتقول أشجان علي القباطي للجزيرة نت إن هذا الكعك من أهم الطقوس لدى كثير من النساء، ولا يمكن الاستغناء عنه رغم كثرة الالتزامات المنزلية خلال هذه الفترة، من تجهيزات الأطفال والتسوق والاستعداد للعيد.

وأوضحت القباطي أن الأوضاع الاقتصادية الصعبة، بما في ذلك أزمة الغاز، أثرت على قدرة العديد من الأسر على تحضير الكعك في البيوت، غير أن كثيرا من العائلات ما تزال تحرص على إحيائه بما تيسّر من إمكانيات، كنوع من إدخال البهجة على أجواء العيد رغم قسوة الظروف، لافتة إلى أن البعض يلجأ إلى شرائه من المشاريع المنزلية المنتشرة.

وأكدت أن كعك العيد لا يزال جزءا من ذاكرة الطفولة وملامح الفرح البسيط الذي يتمسك به الناس مهما اشتدت الظروف.

يمنيون أحجموا عن شراء الأضحية بسبب ارتفاع أسعارها وأوضاعهم الاجتماعية المتردية (الجزيرة)

محاولة التكيف

من جانبه، قال المواطن علاء الشلفي، وهو أحد أبناء مديرية جبل حبشي، للجزيرة نت إن الأوضاع المعيشية الصعبة وارتفاع الأسعار بشكل كبير جعلا من شراء الأضاحي أمرا مرهقا للكثير من المواطنين، مشيرا إلى أن أقل تكلفة للأضحية تتراوح بين 300 و350 ألف ريال (نحو 1260 إلى 1470 دولارا).

وأضاف في حديثه للجزيرة نت أن معظم الأسر باتت تعود من الأسواق دون القدرة على الشراء، ما جعل عيد الأضحى بالنسبة لكثيرين يتحول من مناسبة فرح إلى “عبء ثقيل يثير القلق”، رغم محاولات الناس التكيّف مع الظروف ومواصلة إحيائه قدر الإمكان.

يثبت اليمنيون في كل عيد أضحى أنهم لا ينتظرون الفرح؛ بل يصنعونه، فهذه المناسبة في مخيلتهم حالة ذهنية وروابط اجتماعية متينة، إذ يبقى العيد دليلا حيا على أن “أدوات الحياة” عندما تكون من صنيعة الإنسان نفسه، فإنه لا توجد قوة قادرة على حرمانه من صياغة تفاصيل فرحته طالما أن هناك “عافية”.

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *