حضرموت تواصل تعزيز تحالفات الخليج في ظل التطورات الراهنة

حضرموت تواصل تعزيز تحالفات الخليج في ظل التطورات الراهنة

تسلط التطورات الأمنية والسياسية المتسارعة في محافظة حضرموت خلال الأسابيع الأخيرة، الضوء على طبيعة العلاقة بين السعودية والإمارات في الملف اليمني، كما تثير تساؤلات حول ما إذا كانت هذه التحركات تمثل تباينات ظرفية في إدارة التفاصيل الميدانية، أو مؤشرات أعمق على تحول في مسار التحالف الذي قادته الرياض منذ عام 2015.

مع حدودهما مع السعودية في حضرموت ومع سلطنة عُمان في المهرة، أصبحت المحافظتان تمثلان ساحة اختبار حساسة لمعادلات النفوذ بين القوى المناهضة لجماعة الحوثي، مما يعيد طرح السؤال: هل دخلت السعودية والإمارات مرحلة صراع مباشر في اليمن، أم أن ما يحدث لا يعدو كونه إعادة ترتيب للأدوار في مرحلة ما بعد الحرب؟

هل دخلت السعودية والإمارات مرحلة الصدام؟

منذ عام 2015، اتسمت العلاقة بين السعودية والإمارات في الملف اليمني بدرجة عالية من التنسيق السياسي والعسكري، ضمن التحالف الذي قادته الرياض دعمًا للحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، ومواجهة لجماعة الحوثي، لكن إطالة أمد الصراع وتراكم تطوراته الميدانية والسياسية، أسفرا عن تباينات متزايدة في مقاربات إدارة هذا الملف، وقد برزت هذه التباينات أكثر منذ عام 2019 مع إعادة انتشار القوات الإماراتية وتحول استراتيجيتها نحو دعم قوى محلية فاعلة في جنوب اليمن.

لا يمكن فصل هذه التباينات عن التحولات الأوسع التي شهدتها شبه الجزيرة العربية منذ عام 2022، إذ تشير قراءات صادرة عن مركز الخليج للأبحاث إلى دخول المنطقة مرحلة إعادة تموضع استراتيجي بموجب كلفة الصراعات الممتدة، وتصاعد الضغوط الاقتصادية، وتبدل أولويات الأمن القومي، ما دفع دولًا محورية، مثل السعودية، إلى تبني مقاربات تقوم على خفض التصعيد وتحييد الجبهات المفتوحة، ضمن رؤية أوسع لإعادة ترتيب الأولويات التنموية والأمنية، خصوصًا فيما يتعلق بالعلاقة مع جماعة الحوثي، ولا يُنظر إلى تجنب الحروب الطويلة الأمد كخيار سياسي فحسب، بل كمصلحة عملية تتطلبها اعتبارات الاستقرار الداخلي والإقليمي.

منذ ذلك الحين، تصاعدت القراءات التي تتناول العلاقة بين الرياض وأبوظبي من منظور التنافس على النفوذ، خاصة في المناطق الإستراتيجية مثل عدن، شبوة، حضرموت، وسقطرى، بالتوازي مع إعادة تشكيل المشهد السياسي والأمني في الجنوب.

أفضى هذا المسار إلى تساؤلات متزايدة حول طبيعة هذا التباين، وما إذا كان ينطوي على اختلاف في توزيع الأدوار ضمن إطار تحالفي واحد، أم يعكس تباينًا أعمق في المصالح والرؤى الاستراتيجية تجاه مستقبل اليمن.

حقيقة الخلاف السعودي الإماراتي في اليمن

أعادت التطورات الأمنية والسياسية الأخيرة في مناطق جنوب وشرق اليمن، خصوصًا في حضرموت والمهرة، فتح النقاش حول طبيعة التحولات الجارية داخل معسكر القوى المناهضة لجماعة الحوثي، وتأثيرها على توازنات المشهد اليمني، وعلى الرغم من أن هذه التطورات لا تبدو منفصلة عن المسار العام للصراع، فإنها جاءت نتيجة تفاعل مركب بين اعتبارات داخلية تتعلق بإعادة توزيع النفوذ جنوبًا، وسياقات إقليمية أوسع تضبط حدود التصعيد.

تشير دراسات صادرة عن مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي إلى أن الإمارات أعادت خلال السنوات الماضية معايرة تموضعها في اليمن، بالاتجاه نحو نموذج نفوذ يعتمد على الشراكات المحلية وإدارة نقاط الارتكاز الاستراتيجية، خصوصًا السواحل والموانئ وخطوط الملاحة. وفقًا لهذه القراءة، لا يعكس هذا التحول انسحابًا بقدر ما هو انتقال من التدخل العسكري المباشر إلى نفوذ شبكي طويل الأمد، يركز على أمن الممرات البحرية وحماية سلاسل الإمداد، مما يخلق تباينًا في الأدوات والأولويات مع المقاربة السعودية، حتى وإن بقي الطرفان ضمن سقف سياسي معلن واحد.

تزداد حساسية هذه التحولات في ظل السياق الدولي الأوسع المرتبط بأمن الملاحة في البحر الأحمر، فقد أدت تصاعد الهجمات الحوثية على حركة الشحن الدولي منذ أواخر عام 2023 إلى إعادة إدراج اليمن ضمن أولويات الأمن البحري العالمي، مما دفع الولايات المتحدة وبريطانيا إلى تدخلات عسكرية مباشرة، وهذا التطور جعل استقرار المناطق الساحلية والشرقية لليمن جزءًا من معادلة دولية أكبر، وفرض ضغوطًا إضافية لمنع انزلاق معسكر القوى المناهضة للحوثيين إلى صراعات جانبية قد تعقّد جهود الاحتواء.

تعد حضرموت ساحة اختبار دقيقة لإعادة تشكيل النفوذ داخل الجنوب، حيث تعكس التوترات هناك تباينات داخل المعسكر المناهض للحوثيين، أكثر مما تعكس صدامات مباشرة بين داعميه الإقليميين.

ومع ذلك، يرى الكاتب والمحلل السياسي منيف عماش الحربي أن هذا الخطاب يبالغ في توصيف طبيعة العلاقة بين الرياض وأبوظبي، مؤكدًا أن البلدين لا يزالان يتقاطعان عند جوهر المقاربة السياسية للأزمة اليمنية، القائم على اعتبار الحل السياسي الخيار الوحيد القابل للاستدامة، ويشير إلى أن تأسيس التحالف العربي عام 2015 جاء استجابة لطلب الحكومة الشرعية لدفع جماعة الحوثي إلى طاولة التفاوض، وليس لإنتاج صراعات داخل المعسكر الداعم للشرعية.

ويؤكد الحربي استمرار التوافق السعودي الإماراتي حول مرجعيات التسوية السياسية، المتمثلة في المبادرة الخليجية وآلياتها التنفيذية، ومخرجات الحوار الوطني، وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة، إضافة إلى دعم الإمارات للمبادرة السعودية للسلام عام 2021، وتوافق الطرفين على دعم خطة السلام المقدمة من المبعوث الأممي، كما يندرج وصول وفد سعودي إماراتي مشترك إلى عدن ضمن الجهود المشتركة لترتيب الأوضاع الأمنية ومنع التصعيد، بما يصب في مصلحة استقرار حضرموت والمهرة.

يضيف أنه بالتنسيق مع مسقط، تواصل الرياض لعب دور مركزي في دفع مسار الوساطة بين الحوثيين والحكومة الشرعية، وهو مسار تعزز بتشكيل مجلس القيادة الرئاسي خلال الحوار اليمني الذي عقد تحت مظلة مجلس التعاون الخليجي، وبناءً على ذلك، يمكن القول إن المشهد الراهن يعكس تباينات في إدارة التفاصيل أكثر مما يعكس خلافًا جوهريًا بين الرياض وأبوظبي، في ظل استمرار التزام الطرفين بسقف الحل السياسي ودعم الشرعية.

المجلس الانتقالي الجنوبي

يمثل المجلس الانتقالي الجنوبي أحد أبرز الفاعلين الذين أعادوا تشكيل معادلات القوة في جنوب اليمن منذ عام 2017، بوصفه كيانًا سياسيًا نشأ في سياق تراكم احتجاجات جنوبية ممتدة منذ ما بعد وحدة 1990، وتبلورت سياسيًا مع الحراك الجنوبي منذ عام 2007، وقد جاء تأسيس المجلس، برئاسة عيدروس قاسم الزبيدي، في لحظة اتسمت بفراغات سياسية وأمنية واسعة في الجنوب، وتراجع فعلي لقدرة الحكومة المعترف بها دوليًا على بسط نفوذها.

في هذا السياق، تشير تحليلات إلى أن صعود المجلس لا يمكن فصله عن حالة الضعف البنيوي التي أصابت مؤسسات الشرعية نفسها، حيث أتاح هذا الفراغ لقوى محلية منظمة أن تملأ المساحة المتروكة، مما جعل إشكالية السلطة في الجنوب تعكس أزمة نظام حكم أكثر من كونها نتيجة تحركات فاعل واحد.

شهد مسار المجلس تحولًا نوعيًا مع انخراطه لاحقًا في مؤسسات السلطة عبر مشاركته في الحكومة ومجلس القيادة الرئاسي، ومع ذلك، فإن هذا الانتقال من موقع الاحتجاج إلى موقع الشراكة أفرز إشكالية بنيوية تتعلق بتناقض الأدوار بين كونه فصيلًا يحمل مشروعًا سياسيًا خاصًا، وبين كونه جزءًا من منظومة شرعية يفترض بها الالتزام بوحدة القرار السياسي والعسكري.

تجلت هذه الإشكالية بوضوح في التحركات العسكرية الأخيرة للمجلس، خصوصًا في حضرموت، حيث وسع نطاق نشاطه خارج معاقل نفوذه التقليدية، وتكتسب هذه المحافظة حساسية إضافية في الحسابات السعودية، نظرًا لارتباطها المباشر بأمن الحدود الشرقية للمملكة، فبحسب تقديرات بحثية إقليمية، لا تقتصر مخاوف الرياض على التوازنات السياسية، بل تمتد أيضًا إلى احتمالات الفراغ الأمني ومسارات التهريب، مما يفسر حرصها على التعامل بحذر مع أي تحولات ميدانية مفاجئة في هذه المناطق.

يرى الحربي أن ما جرى في حضرموت يعكس ممارسة للعبث السياسي، معتبرًا أن المجلس لم يرتكب خطأً عابرًا بقدر ما ارتكب خطيئة سياسية، إذ إن الجنوب لا يمكن اختزاله في فاعل واحد، كما أن القضية الجنوبية ما تزال مفتوحة على مسارات الحوار، ويؤكد أن الممارسات الأحادية لا تخدم القضية الجنوبية، بل تضعفها، مشيرًا إلى أن الموقفين السعودي والإماراتي جاءا متوافقين في رفض فرض الأمر الواقع بالقوة، والتأكيد على أن حل القضية الجنوبية لا يمكن أن يتم إلا عبر التفاوض السياسي ضمن تسوية يمنية شاملة.

الملف اليمني: تعقيد بلا حسم

تحولت الأزمة اليمنية خلال السنوات الأخيرة من صراع داخلي على السلطة إلى معضلة إقليمية معقدة، مما أسفر عن حالة تعثر شبه كامل في مسار التسوية السياسية، فقد تعطلت خارطة الطريق، وتآكلت الثقة بين الأطراف، وتراجع الزخم الدولي، في ظل غياب بيئة سياسية قادرة على إعادة إطلاق عملية تفاوضية ذات مصداقية.

يرى عضو مجلس الشورى اليمني لطفي أحمد النعمان أن جوهر الأزمة لا ينفصل عن الانقسام الداخلي، مشيرًا إلى أن تشتت القوى المحلية واستدعاء التدخلات الإقليمية أسهما في تعقيد المشهد، وفي الاتجاه ذاته، تذهب تحليلات دائرة أبحاث الكونغرس الأميركي (CRS) إلى أن السياسة الدولية باتت تتعامل مع اليمن بوصفه ملف احتواء للمخاطر المرتبطة بالحوثيين وأمن الملاحة، أكثر من كونه ساحة لحسم سياسي شامل.

يخلص الحربي إلى أن التجربة اليمنية أثبتت محدودية الخيار العسكري، وأن الخروج من الأزمة يتطلب مسارًا تفاوضيًا يعيد توحيد الصف اليمني، ويضع القضايا الجزئية، وعلى رأسها القضية الجنوبية، ضمن إطار وطني جامع قادر على استيعاب تعقيدات ما بعد الحرب.

ماذا بعد؟

إن استمرار حالة التعقيد وغياب مسار حسم سياسي شامل لم يقتصر تأثيره على التوازنات الإقليمية والمحلية، بل فاقم من التكلفة البشرية والاقتصادية للأزمة، فاليمن يواجه، بحسب تقديرات الأمم المتحدة، واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية عالميًا، حيث أدى الانقسام في مؤسسات الدولة وتوقف صادرات الطاقة إلى انهيار شبه كامل في الخدمات الأساسية وتدهور خطير في القوة الشرائية، مما يضع القضية اليمنية أمام ضغط إضافي يتمثل في ضرورة إيجاد تسوية تضمن استئناف عجلة الحياة الاقتصادية وإغاثة ملايين المتضررين، وهذا يفرض على الأطراف كافة تجاوز التباينات التفصيلية والانخراط بجدية أكبر في المفاوضات ضمن سقف الحل السياسي المعلن.