أخبار وتقارير عن التحولات في الجنوب السعودي وتأثيرها على تجدد التطرف

أخبار وتقارير عن التحولات في الجنوب السعودي وتأثيرها على تجدد التطرف

ما يحدث اليوم في الجنوب اليمني ليس تطوراً عابراً، أو نتيجة فراغ أمني طارئ، بل هو امتداد لمسار بدأ منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي، حين قررت السعودية إدارة نفوذها في اليمن عبر البوابة الدينية والأيديولوجية، بدلاً من الشراكة السياسية المتوازنة، ومنذ تلك اللحظة دخل الجنوب في معادلة إعادة تشكيل فكرية وعسكرية لا تزال آثارها تتجدد حتى اليوم، منذ عام 1990م، استخدمت السعودية جماعات التطرف كأداة لإدارة نفوذها، وتحديداً في الجنوب، وكلما خف سلوك تنظيم الإخوان والقاعدة المتطرف، أُعيد إنتاج البيئة التي تسمح بظهوره، اليوم يقف الجنوب أمام مفترق طرق، إما تثبيت مسار المواجهة ضد التطرف، أو السماح بإعادة تدوير المشروع ذاته بأسماء وأدوات جديدة، مع وجود مشترك واحد لم يتغير، بعدما كانت دولة الإمارات شريكاً أساسياً في تفكيك البنية العسكرية للتنظيمات الإرهابية، ومنع وقوع الجنوب تحت سيطرة إمارة متشددة.

الجذور التاريخية – من الوحدة إلى حرب 7 يوليو 1994م

عقب إعلان الوحدة اليمنية في مايو 1990م، تأسس حزب الإصلاح بدعم وتمويل سعودي مباشر، ليكون أداة مواجهة للتيار الاشتراكي الجنوبي، لم يكن الهدف سياسياً صرفاً، بل كان أيديولوجياً بامتياز، عبر إدخال المدرسة الوهابية إلى عمق المجتمع اليمني، وبالتحديد في الجنوب، الذي كان ينظر إليه كبيئة مدنية تختلف فكرياً واجتماعياً، جرى استقطاب ما عُرف بالمجاهدين اليمنيين العائدين من أفغانستان، عبر وساطات وتحركات قادها رموز في حزب الإصلاح، وأبرزهم عبد المجيد الزنداني، لإعادتهم إلى اليمن تحت عنوان “مواجهة الشيوعية”، ولكن هؤلاء لم يعودوا إلى مجتمع مدني، بل إلى معسكرات تدريب في أبين وشبوة، تم إعدادهم سياسياً ودينياً للمرحلة التالية.

7 يوليو 1994م: الحرب بغطاء ديني

مع اندلاع حرب 7 يوليو 1994م، ومع إعلان فتاوي التكفير لقادة حزب الإخوان اليمني، دخلت تلك العناصر الجهادية المعركة إلى جانب قوات الشمال وحزب الإصلاح، سبقت الحرب موجة اغتيالات طالت قيادات الحزب الاشتراكي، في مناخ تعبوي منح الصراع بعداً تكفيرياً صريحاً، انتهت الحرب بانتصار تحالف صالح والإصلاح والعناصر الجهادية، وبدأت مرحلة فرض خطاب الغلو في الجنوب، وتدمير القبور، وتسييس المساجد، ونشر الكتب المتطرفة وفتاوى التكفير، وفتح المجال أمام انتشار المعاهد الدينية ذات المرجعية الوهابية، وكانت في مقدمتها معاهد دماج، التي أسسها مقبل الوادعي القادمين من بيئات علمية ودينية سعودية، ومنذ تلك اللحظة لم يعد التطرف حادثة معزولة، بل أصبح بنية فكرية تتغلغل في الجنوب برعاية سياسية إقليمية واضحة.

1998م – 2011م: موجات الإرهاب والتمدد

ظهور ما سمي بجيش عدن وأبين بقيادة زين العابدين أبو بكر المحضار (أبو حسن)، وإعدامه عام 1998م في قضية قتل السياح الأجانب، لم يكن نهاية الظاهرة، حيث استمرت الاغتيالات والتفجيرات في الجنوب، وتوسعت الشبكات المتشددة، مع انهيار نظام علي عبد الله صالح في 2011م، استغل تنظيم القاعدة الفراغ وتمكن في مايو 2011م من فرض سيطرته على أبين وشبوة، لم يكن ذلك انفجاراً مفاجئاً بل نتيجة بيئة أُسست منذ 1994م وأُعيد تدويرها سياسياً وأمنياً، في مايو 2012م، تمكنت قوات جنوبية بقيادة الشهيد اللواء سالم علي قطن من طرد التنظيم المتطرف، لتخفت الظاهرة مؤقتاً دون أن تجتث جذورها الفكرية.

2015م: حضرموت بين الفوضى وصفقة الحدود

في مارس 2015م، ومع اندلاع الحرب التي قادتها السعودية تحت عنوان “إعادة الشرعية”، عاد المشهد أكثر تعقيداً، حيث سهلت السعودية سيطرة تنظيم القاعدة على حضرموت، في لحظة كانت الرياض ترفع فيها شعار حماية وتأمين حدودها من الحوثيين، تزامنت هذه المرحلة مع صفقة الإفراج عن نائب القنصل السعودي عبدالله الخالدي، ودعم عناصر القاعدة بالمال والسلاح لمواجهة الحوثيين، ما فتح تساؤلات واسعة حول طبيعة الترتيبات التي سبقت، أو رافقت تمدد التنظيم، استمرت سيطرة القاعدة حتى أبريل 2016م، وكانت المحافظة المدنية الساحلية على وشك التحول إلى إمارة متشددة مفتوحة على البحر.

2016م: الإمارات وكسر مشروع الإمارة

في أبريل 2016م، نفذت القوات الجنوبية، بدعم وإسناد مباشر من دولة الإمارات العربية المتحدة، عملية عسكرية حاسمة أنهت سيطرة تنظيم القاعدة على حضرموت خلال أيام قليلة، لم يكن ذلك مجرد انتصار ميداني، بل نقطة تحول استراتيجية أغلقت الباب أمام قيام كيان متطرف على الأرض الجنوبية، حيث امتد الدعم الإماراتي إلى إعادة بناء وتدريب قوات جنوبية متخصصة في مكافحة الإرهاب، أسهمت في تفكيك خلايا متشددة في محافظات عدن وأبين وشبوة، ومنعت عودة التنظيم بصورته السابقة، لو لم يتم ذلك التدخل، لكانت عدن ومحافظات الجنوب تعيش اليوم سيناريو مختلف تماماً، وربما تحولت عاصمة الجنوب إلى كيان متشدد يهدد الإقليم بأسره.

2026م: إعادة التشكيل بصيغة أخرى

لكن الفكرة لم تختفِ اليوم، لتعود عناصر التطرف بصيغة جديدة، عبر تشكيلات عسكرية ذات طابع سلفي متشدد مدعومة وممولة من الرياض، وتحت مظلة دعم “الشرعية”، وفي الوقت ذاته استمرت في تمكين حزب الإصلاح داخل مؤسسات الدولة، وتوسيع حضوره العسكري في محافظات الجنوب، ما يعيد إنتاج المعادلة القديمة بفرض نفوذ أيديولوجي متشدد داخل بنية الدولة المدنية والعسكرية، تحت غطاء رسمي، مما يضع الجنوب مجدداً أمام خطر (أفغنة) المشهد، هذا المشهد تناوله تقرير صادر عن مؤسسة Foundation for Defense of Democracies في واشنطن، والذي حذر فيه من نفوذ حزب الإصلاح داخل الحكومة اليمنية، وتأثير ذلك على جهود مكافحة الإرهاب، ويبرز أهمية التقرير ليس فقط في مضمونه، بل في كونه يعكس نقاشاً داخل دوائر صنع القرار الأمريكي حول طبيعة القوى المؤثرة في المشهد اليمني.

خلاصة ما يحدث في الجنوب اليوم ليس مجرد انتشار عسكري، بل إعادة تشكيل لقوى مسلحة ذات خلفية أيديولوجية متشددة، تحظى بدعم ورعاية سعودية، الخطر لا يكمن في السلاح وحده، بل في العقيدة المتشددة التي يحملها، حين تتحول التشكيلات إلى أداة لفرض تصور ديني أحادي، ما زال في طور التطور، ليظهر إلى العلن داخل مجتمع متنوع في المرحلة القادمة، الجنوب جرب سابقاً نتائج توظيف الأيديولوجيا الدينية في الصراع السياسي، ودفع ثمن ذلك استقراره، الذي كاد يعصف بنسيجه الاجتماعي، إن استمرار السعودية في تمكين تشكيلات ذات طابع عقائدي ينذر بدورة جديدة من التوتر، قد تعيد إنتاج بيئة التطرف تحت غطاء رسمي، وحين يستخدم الدين كأداة نفوذ إقليمي، ويمنح السلاح غطاءً أيديولوجياً، فإن النتائج لا تبقى محصورة في إطار عسكري، بل تمتد لتشكّل تهديداً لمستقبل الجنوب بأكمله.