تهدد قضية رواتب الموظفين في القطاع العام، من مدنيين وعسكريين، إلى جانب التدهور الحاد في أوضاع المتقاعدين ومشكلة التقاعد وتعويضات نهاية الخدمة، بتداعيات ومضاعفات سلبية وخيمة، قد تزعزع الأمن والاستقرار الاجتماعي في البلاد. تأتي هذه الأزمة المتفاقمة في ظل حالة من التخبط الحكومي الواضح والتقصير الشديد في التعامل مع هذا القطاع الحيوي الواسع.
تقصير حكومي وسياسة الترقيع
يوجه الكاتب محمد بلوط في صحيفة “الديار” انتقادات لاذعة للحكومة، مشيراً إلى أنها لم تبادر، على مدى عام كامل، إلى اتخاذ أي خطوات جدية أو فعالة للتصدي للأوضاع الاجتماعية والمعيشية المتردية والمتفاقمة، ولمعالجة معضلة رواتب العاملين في القطاع العام بمختلف فئاتهم من عسكريين ومدنيين ومتقاعدين. لقد اقتصر تعاطي الحكومة مع هذه الأزمة الكبرى، التي تمس الشريحة الأوسع من المواطنين اللبنانيين، على سياسة الترقيع واكتساب الوقت، ما يعكس غياب رؤية استراتيجية واضحة للحل.
الموازنة تغفل الحلول
يزداد الطين بلة مع استمرار لجنة المال والموازنة النيابية في دراسة مشروع قانون الموازنة، الذي لا يتضمن أو يلحظ أي بنود أو حلول ملموسة لأزمة رواتب ومعاشات القطاع العام. هذا يعني أن هذه القضية المحورية ستبقى حبيسة الوعود الحكومية غير المحققة حتى إشعار آخر، مما يفاقم من حالة القلق وعدم اليقين لدى عشرات الآلاف من الموظفين والمتقاعدين.
عقبات دستورية وقانونية
يؤكد أحد النواب الأعضاء في لجنة المال أن مشروع الموازنة الذي أحالته الحكومة لا يلحظ معالجة لهذه المشكلة الجوهرية، مشدداً على أن المجلس النيابي، وفقاً للدستور، لا يحق له إجراء أي زيادة في بنود الموازنة. لذا، فإن هناك حاجة ماسة لإقرار قانون ملحق منفصل يعالج أزمة الرواتب ومشكلة التقاعد والتعويضات، ورغم أن الحكومة قد أعدت مشروعاً بهذا الشأن، إلا أن ماهيته وتفاصيله لا تزالان غير معروفتين.
وعود حكومية غامضة
ما يُسمع من الحكومة، في معرض الحديث عن هذه القضية الحساسة، هو أنها “تدرس حلولاً” تتناسب مع الإمكانيات المتاحة، مع التركيز على تحقيق التوازن بين المدفوعات والمداخيل للخزينة. هذه التصريحات العامة تفتقر إلى أي آليات واضحة أو جداول زمنية محددة، ما يقلل من الثقة بقدرة الحكومة على إيجاد حلول جذرية ومستدامة للأزمة.
تهديد مباشر لمرافق الدولة
تشير المصادر المعنية إلى أن أزمة الرواتب لم تعد مجرد مشكلة اجتماعية تقتصر على العاملين في القطاع العام، بل باتت تهديداً مباشراً لإدارات ومرافق الدولة بأكملها. هذا الواقع يستدعي من الحكومة وضع هذه القضية في صدارة أولوياتها، نظراً لانعكاساتها السلبية الخطيرة على سير العمل الحكومي وفعالية تقديم الخدمات الأساسية للمواطنين.
مستقبل قاتم وحلول مسكنة
في ظل هذا المشهد الاجتماعي المتردي، أفاد مصدر نقابي بأنه خلال أحد الاجتماعات الأخيرة مع مرجع كبير، جرى الحديث عن تكليف لجنة لدراسة الأزمة. وهذا الإجراء، بحسب المصدر، لا يبعث على التفاؤل بقرب إيجاد حلول جدية لهذه المعضلة المعقدة. ويضيف المصدر أن هناك خطراً حقيقياً بات يحدق بالإدارات العامة وأداء مرافق الدولة إذا لم تسارع الحكومة إلى إقرار خطوات حاسمة لحل أزمة الرواتب، مؤكداً أن الاستمرار بسياسة الترقيع وما يسمى بالمساعدات أو التقديمات الشهرية لم يعد مقبولاً، واصفاً هذه السياسة بأنها أشبه بـ”إعطاء حبة أسبرين” لمريض يعاني من “اعتلالات وأمراض متعددة”، مما يسلط الضوء على الحاجة الملحة لمعالجة الأسباب الجذرية للأزمة بدلاً من الاكتفاء بالحلول المؤقتة.
