
لقد أثار الحديث عن التعديلات المقترحة على قانون الضمان الاجتماعي الأردني موجة عارمة من الجدل في الأوساط الشعبية، ولم يقتصر هذا الجدل على طبيعة البنود المقترحة فحسب، بل امتد ليشمل الدور المحوري الذي يمثله الضمان الاجتماعي كآخر حصون الأمان الاقتصادي للمواطن الأردني، خاصة في ظل الظروف المعيشية الصعبة الراهنة. فالضمان الاجتماعي، في جوهره، ليس امتيازًا إضافيًا أو منحة، بل هو نتاج سنوات طويلة من الاقتطاعات الشهرية الهادفة لضمان شيخوخة كريمة، وتوفير حماية أساسية ضد مخاطر العجز والبطالة، مما يجعله تجسيدًا للشعور بالأمان المالي والاجتماعي عند بلوغ سن معينة، وبالتالي فإن أي تعديل يطال حقوق المواطن المكتسبة يمثل مصدر قلق مباشر ومشروع.
تستند الجهات الرسمية، وفي مقدمتها المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي، في مبرراتها لهذه التعديلات إلى قضايا حيوية تتعلق بالاستدامة المالية للنظام، بالإضافة إلى ارتفاع متوسط العمر المتوقع للمواطنين، وتزايد ملحوظ في أعداد المتقاعدين المبكرين مقارنة بعدد المشتركين الفاعلين. من حيث المبدأ، يعد أي نظام تأميني تكافلي بحاجة ماسة لمراجعات دورية مستمرة لضمان تحقيق توازنه المالي، لا سيما في ظل التغيرات الديموغرافية المتسارعة التي تشهدها المجتمعات.
تحديات التنفيذ وتوزيع الأعباء
لكن الإشكالية الحقيقية تكمن في كيفية تطبيق هذه التعديلات وفي آلية توزيع أعبائها، حيث يسود شعور واسع بين المواطنين بأن كلفة هذا الإصلاح تقع على عاتقهم وحدهم، وذلك في وقت يرزحون فيه تحت وطأة ضغوط اقتصادية متزايدة أثرت بشكل مباشر على حياتهم اليومية وعلى آمالهم في تحقيق حياة كريمة، وهو ما ينعكس سلبًا على استقرار المجتمع ونسيجه.
وتبرز اعتراضات واسعة في الشارع الأردني على أن هذه التعديلات يتم فرضها غالبًا على حساب المواطن، خاصةً فيما يخص تأخير سن التقاعد أو تشديد شروط التقاعد المبكر، بينما لا يتم الإعلان عن إجراءات موازية وواضحة تهدف إلى تخفيف هذا العبء أو توزيع الكلفة بشكل أكثر عدالة بين صانعي القرار، وأصحاب العمل، والمشتركين أنفسهم. تتفاقم هذه المخاوف بشكل كبير في ظل الارتفاع المستمر لتكاليف المعيشة، والذي أثر سلبًا على القدرة الشرائية للمواطنين، مما يجعل أي مساس بنظام الضمان الاجتماعي تهديدًا مباشرًا للأمن الاقتصادي الشخصي والعائلي في المستقبل.
مطالبات بالحوار والشفافية
وقد عبر مجلس النواب صراحة عن رفضه لبعض البنود المقترحة، مؤكدًا أن هذه التعديلات تمس بشكل مباشر الحقوق المكتسبة للمواطنين، وهي حقوق ينبغي صيانتها. وفي السياق ذاته، أبدت العديد من الأحزاب السياسية ومؤسسات المجتمع المدني والحقوقيون مواقف حازمة، ودعوا إلى إطلاق حوار وطني شامل يضمن إشراك كافة الأطراف المعنية في مراجعة التعديلات قبل إقرارها، مشددين على الأهمية القصوى لتقديم الدراسات الاكتوارية والمالية بشفافية تامة، لضمان ألا يؤدي أي إصلاح إلى إثقال كاهل المواطن دون معالجة جذرية للأسباب الحقيقية وراء الخلل المالي للنظام.
رؤية للإصلاح الشامل
من منظور نقدي بناء، يمثل الإصلاح ضرورة حتمية لضمان استدامة النظام وحماية أموال المشتركين، لكن نجاحه يتوقف على مدى توازنه مع مبادئ العدالة الاجتماعية. كان من الممكن أن تترافق التعديلات المقترحة مع خطوات فعالة وموازية، تشمل على سبيل المثال لا الحصر:
- توسيع قاعدة الشمول لتشمل العاملين في القطاع غير المنظم.
- تحسين إدارة الاستثمارات الخاصة بالمؤسسة.
- تقديم ضمانات واضحة وصريحة بعدم المساس بالحقوق المكتسبة للمواطنين.
كما يجب التأكيد على أهمية الشفافية الكاملة والواضحة المدعومة بالحقائق والأرقام، وإجراء حوار مجتمعي بناء لخفض حدة الاحتقان وبناء ثقة مستدامة بين المؤسسة والمواطنين.
الضمان الاجتماعي: أزمة ثقة وعقد اجتماعي
بالنظر إلى كل ما سبق، يتضح أن الجدل الدائر حول الضمان الاجتماعي يتجاوز كونه مجرد نقاش مالي أو قانوني، ليصبح أزمة ثقة عميقة بين الدولة والمواطن، تعكس مدى شعور الناس بالمشاركة الفعلية في صنع القرار ومدى احترام حقوقهم المكتسبة. فالإصلاح الناجح يتطلب رؤية متكاملة تجمع في آن واحد بين استدامة النظام المالي، وحماية حقوق المشتركين، مع الأخذ في الاعتبار الجوانب الاقتصادية والاجتماعية للمواطن، ليصبح الضمان الاجتماعي بذلك عقدًا اجتماعيًا حقيقيًا يعكس التزام الدولة الراسخ بأمان مواطنيها في الحاضر والمستقبل.
أسئلة محورية تنتظر الإجابة
في الختام، تطرح هذه الأزمة تساؤلات محورية تتطلب إجابات واضحة: ما هو الضمان للمواطن بعدم فرض تعديلات إضافية مستقبلًا، حتى لو تم إقرار المقترحات الحالية؟ وهل ستتمكن المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي من استعادة ثقة المواطنين مجددًا بعد هذه الموجة من القلق؟ والأهم من ذلك، ما هو ذنب المواطن في تحمل تبعات قرارات وسياسات سابقة أدت إلى الوضع الحالي الذي تعاني منه مؤسسات الضمان الاجتماعي؟ هذه تساؤلات يجب على أقرأ نيوز 24 وكل المعنيين البحث عن إجابات شافية لها.
