أسواق السندات الأمريكية تحت الضغط واستقلال الفيدرالي ضرورة حاسمة

أسواق السندات الأمريكية تحت الضغط واستقلال الفيدرالي ضرورة حاسمة

أصدر جيروم باول، رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، بيانًا استثنائيًا وضروريًا وصريحًا ردًا على أنباء استدعاء من وزارة العدل الأمريكية، مشيرًا إلى خطورة الموقف.

يرى باول أن التحقيق الجنائي، الذي يستهدفه شخصيًا وبنك الاحتياطي الفيدرالي بخصوص تجديد مقر البنك المركزي، ما هو إلا محاولة لإجبار المسؤولين على صياغة السياسة النقدية بما يتوافق مع رغبات الرئيس، وقد صرح بأن “الأمر يتعلق بما إذا كان بنك الاحتياطي الفيدرالي سيتمكن من الاستمرار في تحديد أسعار الفائدة بناءً على الأدلة والظروف الاقتصادية، أو ما إذا كانت السياسة النقدية ستوجه بالضغط السياسي أو التخويف”.

يجب توضيح أن هناك فرقًا كبيرًا بين تذمر ترامب، وتوجيه الإهانات، حيث أُطلق على باول سابقًا لقب “البغل العنيد” لعدم خفضه لأسعار الفائدة بوتيرة أسرع، أو حتى مجرد التفكير علنًا في إقالته، وبين خطورة الموقف عندما تتدخل وزارة العدل في الأمر، حتى لو نفى ترامب علمه بهذا التحقيق.

في اليوم الأول، تعاملت الأسواق المالية مع المشهد وكأنه قادم من “جمهورية الموز”، حيث انخفض الدولار بشكل طفيف، وعانت سندات الخزانة الأمريكية من ضغوط بيع متواضعة.

لماذا كانت ردود فعل الأسواق هادئة؟

  • يُحتمل أن تنتهي هذه القضية سريعًا، إذ لا يبدو أن الإنفاق المفرط على تجديد مبنى عام يشكل أساسًا لتهم جنائية.
  • تنتهي فترة ولاية باول في شهر مايو القادم.
  • تحدد لجنة كاملة من بنك الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة، مما يعني أنه حتى لو اختار ترامب رئيسًا مواليًا، فلن يتمكن من فرض إرادته بين عشية وضحاها إذا كان زملاء باول الحاليون يقدرون استقلالهم مثله.
  • يتجه بنك الاحتياطي الفيدرالي نحو خفض أسعار الفائدة في الوقت الحالي على أي حال، وبالتالي يدور الخلاف السياسي حول وتيرة العمل وليس حول جوهر مسألة “الرفع أو الخفض”.

خطورة الموقف والتوترات المحتملة

ومع ذلك، من الواضح أن باول محق في إطلاق ناقوس الخطر، لأنه ليس من الصعب تصور كيفية تصاعد التوترات، خاصة إذا كانت المناقشات المقبلة حول أسعار الفائدة أكثر أهمية، إنها لحظة محفوفة بالمخاطر بالنسبة للولايات المتحدة أن تتلاعب بالمبدأ الذي ينص على أن صناع القرار في نظام مستقل يجب أن يكونوا متحررين من الضغوط السياسية، وأن يُنظر إليهم على هذا النحو.

تحديات الاقتصاد الأمريكي الراهنة

تعاني البلاد من عجز مالي هائل، بينما تقدم البيانات المتعلقة بالبطالة والأسعار إشارات متضاربة، وفي حين تظل أرقام النمو الرئيسية جيدة، إلا أن الزخم يتباطأ، ويمكن للمرء أن يتساءل أيضًا عن مدى العمل الذي أنجزته طفرة الإنفاق على الذكاء الاصطناعي، وهو أمر قد يكون معرضًا للخطر إذا لم تتطابق العوائد على رأس المال مع الضجيج الذي يروجه المروجون، وما يزيد الأمور تعقيدًا أن التأثير متوسط ​​المدى لسياسات التعريفات الجمركية التي ينتهجها ترامب على التضخم سيصبح أكثر وضوحًا هذا العام.

توقعات الأسواق وتأثير الاستقلال

يرغب أصحاب الأصول والسندات الأمريكية بلا شك في أن يعمل البنك المركزي على تثبيت توقعات التضخم بقوة، وفي هذا الصدد، يوضح محللو العملات لدى “آي إن جي” أن “مزيجًا من التضخم المرتفع والمزيد من الرهانات على فقدان بنك الاحتياطي الفيدرالي لاستقلاله من شأنه أن يغذي المخاوف بشأن سعر الفائدة الحقيقي، مما قد يؤدي إلى انخفاض كبير في قيمة الدولار”.

تداعيات تقويض الثقة

من المؤكد أن هذه المخاوف ليست مجرد تكهنات، فقد انخفض الدولار العام الماضي على أساس الوزن التجاري، وأي هروب من الأصول الأمريكية سيؤدي حتمًا إلى زيادة تكاليف الاقتراض طويل الأجل للشركات والمستهلكين الأمريكيين عبر أسواق السندات، وهذا يمثل الجانب الانهزامي لتدمير الثقة في عملية صنع السياسة النقدية في الولايات المتحدة، وهو ما أدركته بالفعل العقول الأكثر حكمة في الحزب الجمهوري يوم الاثنين.

هل يدرك ترامب العواقب؟

يبقى السؤال مطروحًا: هل يدرك ترامب نفسه كيف أن تقويض بنك الاحتياطي الفيدرالي قد يأتي بنتائج عكسية عليه وعلى الولايات المتحدة؟ في الوقت الحالي، تبدو الأسواق متمسكة بفكرة أنه يدرك ذلك، وأنه لن يدفع الأمور إلى أبعد من هذا الحد، ومع ذلك، فإن هذا الافتراض لا يزال غير قابل للاختبار، وينبعث منه شعور بالرضا عن النفس، خاصة وأن حرب الإدارة على بنك الاحتياطي الفيدرالي مستمرة منذ عام كامل، وربما يكون حدوث “ثورة استباقية” في أسواق السندات الأمريكية مفيدًا في هذه المرحلة.

Source Link