«أولويات تحت المجهر» أزمة السيولة واحتياجات المواطنين تثيران نقاشًا وطنيًا حادًا حول مصير مشاريع التنمية

«أولويات تحت المجهر» أزمة السيولة واحتياجات المواطنين تثيران نقاشًا وطنيًا حادًا حول مصير مشاريع التنمية

تسيطر أزمة نقص السيولة المالية بشكل حاد على المشهد الليبي الراهن، حيث تتكرر مشاهد اصطفاف المواطنين لساعات طويلة أمام المصارف، وتتواصل النقاشات المستفيضة بين الخبراء والمسؤولين حول الحلول الممكنة، في سياق متصل، أثارت هذه الأزمة جدلاً واسعاً حول أولويات الإنفاق على المشاريع التنموية، ومن أبرزها افتتاح «المتحف الوطني» في طرابلس، إذ قوبل الإنفاق الضخم على تجديد هذا المعلم الحضاري والعروض الاحتفالية المرافقة له بموجة انتقادات واسعة، وُصفت بأنه «إسراف غير مقبول» في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة، بينما اعتبره آخرون «تجسيداً للوجه الحضاري والإرث الثقافي العريق للبلاد».

تكرار جدل المشاريع التنموية

يلاحظ المراقبون أن الجدل الدائر حول المشاريع التنموية وإنشاء المرافق العامة أصبح ظاهرة متكررة في ليبيا، الأمر الذي يعكس انقساماً واضحاً في الرأي العام، ففئة تُثمّن هذه المشاريع كـ«تجسيد للبعد الحضاري للدولة وهويتها»، فيما يرى آخرون أن الأولوية القصوى يجب أن تُعطى لتلبية الاحتياجات الأساسية للمواطنين، والنهوض بالقطاعات الخدمية الحيوية، خصوصاً الصحة والتعليم.

هذا الجدل، حسب تقديرات المراقبين، لا يمكن فصله عن الصراع السياسي المستمر بين حكومتَي شرق البلاد وغربها، فغالباً ما تُوظَّف المشاريع لتعزيز صورة كل طرف سياسي، مما يجعل تقييمها مرتبطاً بالاصطفافات السياسية، فتزداد حدة الانتقادات عند تنفيذ المشاريع في مناطق نفوذ الخصم، بينما يُحتفى بها في مناطق المعسكر نفسه.

وفي هذا السياق، وصف رئيس لجنة الشؤون السياسية بالمجلس الأعلى للدولة، محمد معزب، الجدل الراهن بأنه «متوقع وطبيعي» في ظل الظروف المعيشية الصعبة التي يواجهها المواطنون، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن الشارع الليبي «يلاحظ خللاً واضحاً في سياسات الإنفاق لكلا الحكومتين، ويكتشف أن تلبية الاحتياجات الأساسية للمواطنين ومعالجة أزماتهم ليست ضمن أولوياتهما».

كما أشار معزب إلى أن «الأسر التي تنتظر علاج أبنائها المصابين بأمراض مزمنة، لا يمكن لومها على انتقادها، أو عدم تفاعلها مع افتتاح ملعب، أو متحف، أو حديقة، أو طريق جديد، وكذلك الأمر بالنسبة لرب الأسرة الذي يصطف لساعات طويلة أمام المصارف محاولاً الحصول على راتبه».

تتنازع على السلطة في ليبيا حالياً حكومتان، إحداهما هي «حكومة الوحدة الوطنية» المؤقتة برئاسة عبد الحميد الدبيبة، ومقرها طرابلس غرب البلاد، والأخرى برئاسة أسامة حماد، وهي مكلفة من البرلمان ومدعومة من قائد «الجيش الوطني» خليفة حفتر، وتدير شؤون المنطقة الشرقية وبعض مدن الجنوب.

ويرى معزب أن المخرج من هذا المأزق يكمن في «تحقيق توازن استراتيجي دقيق بين تلبية الاحتياجات الملحة للمواطنين، وتنفيذ المشاريع التنموية والحضارية التي تحتفظ بقيمتها للدولة على المدى الطويل، حتى لو لم تظهر آثارها فوراً»، مشدداً على أن «توحيد السلطة التنفيذية، أو على الأقل الاتفاق على أولويات إنفاق واضحة وشفافة، سيخفف من حدة هذا الجدل، ويحوّل المشاريع إلى محرك للتنمية الحقيقية، بدلاً من أن تبقى، كما هي عليه الآن، أداة للصراع السياسي تسعى من خلالها كل حكومة لتعزيز نفوذها عبر تدشين مشاريع ضخمة مصحوبة باحتفالات تستقطب الاهتمام المحلي والدولي».

تحديد أولويات الإنفاق

خلال حفل افتتاح «المتحف الوطني»، أكد رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة أن المتحف «يمثل ذاكرة الوطن وحضاراته المتعاقبة، ويعكس جوهر هوية الشعب الليبي عبر العصور»، وقد حظي هذا الحدث بإشادة عدد من الإعلاميين والسياسيين في البداية.

وعلى الرغم من تعبير بعض سكان طرابلس، عبر منصة «حكومتنا» التابعة لحكومة الوحدة، عن تقديرهم وسعادتهم بتنظيم حفل الافتتاح والعروض الفنية المرافقة له، إلا أن كفة الانتقادات كانت هي الأرجح والأقوى، ففي تعليق على خبر الافتتاح، كتب حساب باسم خالد الزيتوني: «حاضر البلاد يصرخ من الوجع، والمعضلة ليست في التاريخ، بل في واقع مواطن مستنزف ودين عام يثقل كاهل الدولة»، وتساءل صاحب حساب آخر عن مدى استفادة «الشعب والمرضى تحديداً» من هذه المشاريع، بينما طالب آخرون بضرورة إعطاء الأولوية لذوي الاحتياجات الخاصة، بدلاً من إنفاق الأموال الطائلة على الاحتفالات.

من جانبها، أرجعت عضوة «ملتقى الحوار السياسي»، آمال بوقعيقيص، تصاعد الانتقادات وتكرارها عبر منصات التواصل الاجتماعي إلى «إجهاض حلم الليبيين في تحقيق الاستقرار السياسي والاقتصادي، والذي كان مرتقباً منذ ثورة فبراير 2011».

وأوضحت بوقعيقيص لـ«الشرق الأوسط» أن «تفاقم الأزمات المتتالية بعد هذا التاريخ دفع بقطاع واسع من الشعب تدريجياً نحو التخندق في جبهة الاعتراض على أي إنجاز حكومي، سواء كان افتتاح جسر، أو مبنى حضاري، أو فعالية ثقافية، أو حتى حفل غنائي».

تجدر الإشارة إلى أن قطاعاً من الليبيين سبق وأن وجه انتقادات حادة للحفلات الغنائية التي أقيمت ضمن فعاليات بنغازي في أكتوبر الماضي، معتبرين أنه كان من الأجدى توجيه تلك الأموال لدعم المرضى المحتاجين.

انضمت بوقعيقيص أيضاً إلى المطالب المتزايدة من رواد التواصل الاجتماعي بـ«وضع احتياجات المواطنين على رأس الأولويات، بما في ذلك دعم رواتب المتقاعدين، وتوفير الرعاية الكافية للفئات الأكثر تهميشاً، خاصة وأن ليبيا دولة نفطية غنية، وعدد سكانها قليل نسبياً مقارنة بدول الجوار».

وشهدت قيمة الدينار الليبي تراجعاً متسارعاً ومقلقاً في الآونة الأخيرة، مما أثر بشكل كبير على القوة الشرائية للمواطنين.

السوقسعر صرف الدولار الأمريكي مقابل الدينار الليبي
السوق الموازية8.40 دينار ليبي
السوق الرسمية5.42 دينار ليبي

في السياق ذاته، يرى الناشط السياسي أحمد التواتي أن «المزاج العام في ليبيا قد تحول مؤخراً من تأييد مشاريع التنمية، التي كانت تُعد ساحة تنافس جديدة بين أطراف الأزمة بعيداً عن الصراع المسلح، إلى تصاعد موجات الانتقاد الموجهة إليها».

وأوضح التواتي لـ«الشرق الأوسط» أن المواطنين الليبيين «أدركوا أن الإنفاق على غالبية هذه المشاريع، التي تُستخدم في معظمها كدعاية سياسية، قد تم غالباً عن طريق الاقتراض، مما أسفر عن تضخم الدين العام للدولة وتراجع قيمة العملة الوطنية، دون أن يؤدي ذلك إلى خلق نشاط اقتصادي منتج أو تحقيق تنمية حقيقية، إضافة إلى ما يشوب هذه المشاريع من شبهات فساد».