إمام المسجد النبوي: إتقان العمل بوابة الترقي في مدارج العبودية

إمام المسجد النبوي: إتقان العمل بوابة الترقي في مدارج العبودية

ألقى فضيلة إمام وخطيب المسجد النبوي، الشيخ الدكتور عبدالباري الثبيتي، الضوء على مفهوم الوظيفة، مؤكدًا أنها أمانة عظيمة ومسؤولية جسيمة، وبيّن أن العمل يرتقي إلى مرتبة العبادة الحقة عندما يُنجز بإتقان وصدق، مع الحرص التام على حقوق الآخرين ومعاملتهم بالرفق واللين.
وأشار فضيلته إلى المكانة الرفيعة للوظيفة في ميزان الإسلام، موضحًا أنه حين يستحضر الموظف وهو يغادر منزله أن وجهته ليست مجرد مكان عمل، بل محراب عبادة، فإن وقت عمله يتحول إلى متعة حقيقية، وتصبح إنجازاته مصدرًا للسعادة، كما يغدو كل جهد يبذله قربةً وطاعة لله، وتُسجّل ساعات عمله كرصيد من الأجر والثواب.

العمل المتقن: رفعة وعبادة

وصرح الشيخ الثبيتي بأن الإتقان في العمل يرفع صاحبه في مدارج العبودية، فيشعر بانشراح في صدره، وتتوقد همته، ويدفع إلى بذل أقصى ما لديه، ليجد في تلبية احتياجات الناس متعة وسعادة لا يشوبها عناء، لأنه يدرك أنه يعمل لوجه الله تعالى قبل أن يعمل للناس، ومن استشعر مراقبة الله في عمله، ارتفع شأنه ونال البركة في سعيه.

كل وظيفة دعامة أساسية للمجتمع

وشدد فضيلته على أن كل وظيفة، بغض النظر عن مدى أهميتها الظاهرية في أعين الناس، تُعد لبنة أساسية لا غنى عنها في بناء صرح الوطن وتقدم الأمة، فالداعية في محرابه، والمعلم في فصوله الدراسية، والطبيب في عيادته، والمهندس في مشاريعه العمرانية، ورجل الأمن في موقعه، والإداري في مهام إدارته، وكل هؤلاء وغيرهم، يحملون على عاتقهم دورًا حيويًا ويؤدون رسالة سامية، وبجهودهم المخلصة يتقدم المجتمع، وتزدهر التنمية، ويشتد البنيان، وتستقر الحياة لمصلحة الجميع.

الوظيفة: أمانة ومسؤولية أخروية

وأوضح إمام وخطيب المسجد النبوي أن مفهوم الوظيفة يتجاوز كونه مجرد عقد إداري يقتصر على حضور الجسد وانقضاء ساعات العمل، بل هي أمانة ثقيلة ومسؤولية جسيمة سيُسأل عنها صاحبها بين يدي الله يوم القيامة، فمن استوعب عظم هذه الأمانة، فإنه لن يتسبب في تعطيل مصالح الناس، ولن يتأخر عن خدمتهم، بل سيؤدي عمله بأمانة وصدق، مانحًا كل ذي حق حقه. وتابع فضيلته، أن الوظيفة في جوهرها خدمة للناس ونفع متعدٍ يمتد أثره، وهذا يُعد شرفًا عظيمًا ومن أحب الأعمال إلى الله تعالى، مستشهدًا بحديث النبي -صلى الله عليه وسلم- الذي قال: “أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس”، ومبينًا أن كل لحظة تُقدم فيها يد العون لإنسان، وكل جهد تبذله في قضاء حوائج الآخرين، هو في حقيقته عبادة خفية تُسجّل في صحائف أعمالك، وترفع من ميزان حسناتك في الدار الآخرة.

جزاء العمل من جنسه: معاملة الناس ومعاملة الله

ولفت الشيخ الثبيتي إلى أن من السنن الإلهية الثابتة أن يعامل الله العبد بما يعامل به عباده؛ فالجزاء دائمًا من جنس العمل، فمن يُيسّر أمور الناس، يُيسّر الله له أموره، ومن يرحم ضعيفًا أو يفرج عن مكروب، يرحمه الله ويُفرج عنه، وفي المقابل، من يُصعّب على الناس أمورهم بتعطيل معاملاتهم، أو يقسو عليهم في إجراءاتهم، يُصعّب الله عليه شأنه، وهذه سنة الله الكونية التي لا تتخلف، مستشهدًا بدعاء النبي -صلى الله عليه وسلم-: “اللهم من ولي من أمر أمتي شيئًا فشقّ عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئًا فرفق بهم فارفق به”.

الرفق والصبر في أداء الوظيفة

وأكد فضيلته أن إدراك الموظف بأن عمله عبادة، يدفعه إلى التحلي بالصبر الجميل، واتساع الصدر لاستيعاب احتياجات الناس ومتطلباتهم، والتخلق بالرفق الذي لا يقتصر على تجميل العمل بل ويُصلحه ويجعله أكثر فاعلية، ويظهر ذلك في بشاشة الوجه، وطيب الكلمة، وحسن الاستماع، وتيسير الإجراءات قدر الإمكان، مع مراعاة خاصة لأحوال كبار السن والمحتاجين، مستشهدًا بحديث النبي -صلى الله عليه وسلم-: “ما كان الرفق في شيء إلا زانه، ولا نزع من شيء إلا شانه”.

التواضع في المنصب وأجر العمل الصالح

واختتم فضيلته خطبته بدعوة الموظفين إلى التحلي بخلق التواضع، موضحًا أن المنصب الرفيع هو في حقيقته وسيلة لخدمة الناس والعطاء، وليس منصة للاستعلاء أو التكبر، فلا يوجد فرق جوهري بين صاحب مكانة رفيعة وشخص بسيط في التعامل، وهذا يتماشى مع الهدي النبوي الشريف، حيث كان النبي -عليه الصلاة والسلام- أرفع الناس مقامًا وأكثرهم تواضعًا ولين جانب، يخدم الجميع دون تمييز، مؤكدًا أن الحياة الوظيفية بمثابة صفحة مدونة وسجل دقيق مكتوب، سيُحاسَب عليه الإنسان يوم يلقى الله تعالى، مستشهدًا بالآية الكريمة: “فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ”.