
في سياق يتسم بارتفاع الطلب الموسمي على منتجات البحر، خاصة مع اقتراب شهر رمضان، أعلنت كاتبة الدولة المكلفة بالصيد البحري، زكية الدريوش، عن تعبئة أكثر من 2000 طن من السردين المجمد، سيُطرح في الأسواق بسعر يبدأ من 13 درهمًا للكيلوغرام، وذلك في محاولة لكبح أي موجة ارتفاع خلال الشهر الفضيل، وضمان تموين منتظم للسوق الوطنية.
تقلبات الأسعار وظروف السوق
الإعلان لم يكن معزولًا عن سياقه، إذ شهدت الأسابيع الماضية تقلبات ملحوظة في أسعار السردين، مما أثار قلق المستهلكين، وسط طلب متزايد وتراجع نسبي في العرض، وفي هذا السياق، عزت المسؤولة الحكومية هذا الارتفاع إلى عوامل ظرفية، تتمثل في فترة الراحة البيولوجية التي تُفرض سنويًا للحفاظ على المخزون السمكي، بالإضافة إلى الاضطرابات الجوية التي أثرت على نشاط الصيد وحجم الكميات المفرغة بالموانئ، وهذه العوامل، بحسبها، أدت إلى تقلص العرض في السوق الداخلية، مما انعكس مباشرة على الأسعار.
توقعات الأسعار القادمة
ومع ذلك، أكدت الدريوش أن الأسعار مرشحة للانخفاض تدريجيًا ابتداءً من منتصف فبراير، مع استئناف نشاط الأساطيل، وعودة الإمدادات إلى مستوياتها المعتادة.
إجراءات احترازية لتدبير السوق
من ناحية أخرى، لم يقتصر تدبير الظرفية على تعبئة مخزون مجمد، أو انتظار تحسن الأحوال الجوية، ففي خطوة لافتة، تم إخضاع صادرات السردين الطري والمجمد لنظام الترخيص لمدة 12 شهرًا، ابتداءً من فاتح فبراير، مع تفعيل منع مؤقت للتصدير. هذا القرار، الذي جاء في إطار تدابير احترازية لتثبيت الأسعار وضبط السوق، يهدف إلى إعطاء الأولوية للسوق الوطنية، في مرحلة تعرف ضغطًا استهلاكيًا مرتفعًا.
توازنات بين الاقتصاد والاجتماع
تبرر السلطات الخطوة بوجود مؤشرات علمية تشير إلى الضغط على المورد السمكي، وبالحاجة إلى توجيه الكميات المتاحة نحو الداخل، قبل تلبية الطلب الخارجي، وأكدت أن الإجراء انتقالي ومرن، وقابل للمراجعة تبعًا لتطور وضعية المخزون والإنتاج. في خلفية هذا القرار، يبرز توازن دقيق بين منطقين، الأول اقتصادي يدفع نحو التصدير كمصدر للعملة الصعبة، والثاني اجتماعي يعتبر السردين مادة أساسية في استهلاك فئات واسعة، مما يفرض حمايته من تقلبات السوق الدولية والمضاربات.
مبادرة “حوت بثمن معقول”
أعلنت كاتبة الدولة أيضًا عن إطلاق النسخة الثامنة من مبادرة “حوت بثمن معقول”، التي ستوفر 5000 طن من الأسماك خلال سنة 2026، مقابل 4673 طنًا في السنة الماضية، وستغطي المبادرة 47 مدينة عبر 12 جهة، من خلال أكثر من 1100 نقطة بيع، مع انخراط الأسواق الكبرى لأول مرة في هذه العملية، كما أن العرض لن يقتصر على السردين المجمد، بل سيشمل الأنشوبة وأنواعًا أخرى من الأسماك، في مسعى لتنويع المنتجات، وتقليص الضغط على صنف واحد، وضمان توزيع أكثر توازنًا للكميات بين مختلف المناطق، بما فيها المدن البعيدة عن الموانئ.
رصد الأسعار وتطبيقها
ولتفادي أي انزلاقات في الأسعار أو اختلالات في التوزيع، تم تعزيز آليات التتبع والمراقبة، من خلال إحداث لجنة مركزية مخصصة، واعتماد مراقبة يومية للكميات والأسعار في أسواق الجملة والتقسيط، بتنسيق مع لجنة تتبع التموين تحت إشراف وزارة الداخلية، حيث الرهان هنا لا يتعلق فقط بضبط الأرقام، بل بضمان أن يصل السعر المعلن 13 درهمًا للكيلوغرام فعليًا إلى المستهلك النهائي، دون أن تلتهمه حلقات الوساطة أو المضاربة.
التوازن بين حماية المورد وضمان الأسعار
بهذه التدابير، تسعى السلطات إلى رسم معادلة بين حماية المورد السمكي عبر الراحة البيولوجية، والقيود المؤقتة على التصدير، وفي الوقت ذاته، تحصين القدرة الشرائية خلال فترة ذروة الاستهلاك، حيث أن السردين في المغرب ليس مجرد سلعة بحرية، بل عنصر مركزي في سلة غذائية واسعة الانتشار، وميزان حساس يعكس قدرة السياسات العمومية على التوفيق بين متطلبات السوق، واستدامة الموارد، وضمان الأمن الغذائي. يبقى الاختبار الفعلي لهذه الإجراءات في قدرتها على الصمود أمام ضغط الطلب خلال رمضان، وعلى تحويل القرار الإداري إلى استقرار ملموس في جيوب المستهلكين.
الإجراءات الحكومية الأخيرة
في بداية السنة الجارية، قررت الحكومة منع تصدير السردين المجمد، ومنع تصدير أنواع السردين عمومًا لفترة تصل إلى 12 شهرًا، ابتداءً من 1 فبراير 2026، في خطوة تُعتبر من أهم التدابير الاقتصادية والاجتماعية التي اتخذتها المملكة في هذا المجال خلال السنوات الأخيرة. وقد جاء هذا القرار الذي أعلنته زكية الدريوش أثناء جلسة للأسئلة الشفوية في البرلمان، في سياق ضغوط متزايدة على السوق الداخلية بعد تراجع ملحوظ في مفرغات السردين من المصائد المغربية، مما أثر مباشرة على توازن العرض والطلب، وأسعار هذا المنتج الغذائي الأساسي.
تحديات السوق والضغط على الأسعار
وفي ظل إحصاءات رسمية تشير إلى انخفاض كميات السردين المصطادة بنحو 46% في عام 2024 مقارنة بتسعينيات الإنتاج السابقة، وهو انخفاض أثر على توفر هذا الصنف الحيوي الذي يمثل حوالي 80% من مجموع الموارد السمكية السطحية في المياه المغربية، باتت السوق المحلية تواجه ضغوطات حقيقية ليست فقط من حيث توفر العرض، بل أيضًا من حيث ارتفاع الأسعار، التي أصبحت عدة مرات خارج متناول بعض الأسر.
استراتيجية حماية السوق
لم تكتف الحكومة بإعلان المنع، بل وضعت القرار في سياق استراتيجية أوسع تهدف إلى حماية تموين السوق الوطنية، وضبط الأسعار، لا سيما مع دخول شهر رمضان، الذي تشهد فيه الأسواق عادة ارتفاعًا حادًا في الطلب، كما تشمل السياسة الحكومية أيضًا توسيع مبادرة “الحوت بثمن معقول”، التي توفر كميات ضخمة من الأسماك، بما فيها السردين المجمّد لأول مرة في نطاقها هذا العام، بأسعار ثابتة تهدف إلى حماية القدرة الشرائية للمستهلكين.
التداعيات المحتملة على الصناعة
يُنظر إلى المنع المؤقت لتصدير السردين كإجراء استثنائي ومؤقت، لكنه ذو بعد استراتيجي، يهدف أولاً إلى زيادة العرض المتاح داخل الأسواق الوطنية، عبر توجيه الكميات التي كانت تُصدّر خارج المغرب نحو الاستهلاك الداخلي، وبالتالي المساهمة في خفض الضغط على الأسعار، التي سجلت ارتفاعات غير مسبوقة.
وجهات نظر الفاعلين الاقتصاديين
لكن خطوة الحكومة أثارت نقاشات واسعة في أوساط الفاعلين الاقتصاديين والصناعيين، حيث عبرت بعض الجمعيات ومصانع تعليب وتجميد الأسماك عن قلقها من تداعيات منع التصدير على سلسلة القيمة الصناعية ككل، معتبرة أن هذا القرار، إذا استمر لمدة عام كامل، قد يمس أنشطة الشركات التي تعتمد بشكل كبير على إمدادات سوق التصدير، ويتسبب في اختلالات في تشغيل وحدات معالجة السمك، ووظائف مرتبطة بها، إضافة إلى فرص الاستثمار والتنمية في المناطق الساحلية.
أهمية القرار والمراقبة الفعالة
من جانبها، تُبرز السلطات أهمية القرار باعتباره أحد أعمدة سياسة حماية المستهلك، وضمان الأمن الغذائي في فترة حساسة، وتربطه بضرورة تعزيز قدرات الرقابة والتتبع على السوق، عبر آليات مراقبة يومية للأسعار والكميات في أسواق الجملة والتقسيط، بالتنسيق مع وزارة الداخلية واللجان المركزية المختصة، لضمان أن فوائد هذا التوجيه الجذري للعرض تصل إلى المواطنين الفعليين.
التحديات البيئية والاقتصادية
القرار الحكومي يعكس أيضًا واقعا أعمق يتعلق بتدبير الموارد البحرية في المغرب، الذي يُعتبر من أكبر الدول المنتجة والمصدرة للسردين في العالم، بفضل امتداده الساحلي على الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط، ولكنه، في الوقت نفسه، يواجه تحديات بيئية واقتصادية تتعلق بتراجع السردين بفعل تغيرات مناخية، الضغط على المصايد، والعوامل اللوجستية، والتسويقية المتشابكة.
