
“تقيد ضوابط رأس المال الحديثة المستثمرين، بسبب تجزئة الاقتصاد العالمي، وزيادة اختناقات سلاسل التوريد، وعودة السياسات الصناعية.”
في السابق، كان فرض قيود على رأس المال يعد أسوأ الخيارات لمواجهة ضغوط العملة.
قد يساعد تجميد حركة الأموال مؤقتاً، لكنه سيفقد المستثمرين الثقة، ويدفع بالدولة إلى خارج الأسواق المالية على المدى الطويل.
في عالم يسوده الاقتصاد الحر والعولمة، تعتبر هذه العواقب هي الأسوأ.
إندونيسيا اليوم تتحدى هذا الافتراض، وقد تثبت أن الاقتصاد العالمي متغير تمامًا.
ففي الشهر الماضي، سجلت الروبية الإندونيسية أدنى مستوى لها على الإطلاق، نتيجة مخاوف بشأن السياسات الاقتصادية للرئيس برابوو سوبيانتو.
يبدو أن سوبيانتو عازم على زيادة العجز المالي، الذي وصل في عام 2025 إلى أعلى مستوياته منذ عقدين، باستثناء سنوات الجائحة.
ترشيح ابن أخيه لعضوية مجلس إدارة البنك المركزي لم يساعد في تحسين الوضع.
تحذير يهز الأسواق
حذرت شركة “مورجان ستانلي كابيتال إنترناشيونال” الأسبوع الماضي من إمكانية خفض تصنيف السوق إلى مستوى الدول النامية، ما لم تتحسن الشفافية، مما أدى إلى إجراءات تنظيمية مكثفة لتعزيز الثقة.
انخفض مؤشر جاكرتا المركب القياسي بنسبة تصل إلى 5.1% يوم الاثنين.
في حين انخفضت قيمة الروبية، أدخلت إندونيسيا قواعد جديدة لتنظيم كيفية إنفاق المصدرين لأموالهم.
وبدأت الشركات العاملة في قطاع الموارد الطبيعية بتجميد العملات الأجنبية التي تجنيها في أجزاء من النظام المالي المدارة حكوميًا لمدة عام على الأقل، ولا يُسمح باستخدام سوى نصف المبلغ المودع، بعد تحويله إلى روبية، لسداد القروض أو شراء المزيد من المدخلات.
يمثل هذا التصعيد محاولة جديدة من جاكرتا للسيطرة على كيفية استخدام عائدات التصدير.
على مدى السنوات القليلة الماضية، كانت السياسات تركز على ضمان استثمار الثروة المعدنية للبلاد، وبخاصة النيكل، الذي تعتبر جاكرتا أكبر منتج له، في قطاعات أخرى من الاقتصاد.
هل تتراجع مبادئ العولمة؟
لكن هذا المسعى الأخير يكشف عن تهديد متزايد لمبادئ العولمة، وهو تهديد قد تتبناه دول أخرى في آسيا قريبًا.
الرؤية التي تتبناها قيادة إندونيسيا بسيطة: إذ يأملون في الحفاظ على الدولارات التي يحققونها داخليًا، ما يعزز الاحتياطيات ويساعد الحكومة في تمويل الإنفاق، ويستمر اهتمام المستثمرين بها.
هذا شرط مهم، خاصة بعدما فقدت سوق الأسهم 80 مليار دولار خلال أسوأ موجة بيع منذ الأزمة الآسيوية عام 1998.
ومع ذلك، سيتابع المنافسون هذا الرهان عن كثب.
فقد اعتمدت ماليزيا على إجبار مصدريها على تحويل معظم عملاتهم الأجنبية إلى “رينغيت”، بينما قامت تايلاند بإجراءات معاكسة، خففت بهذه القيود على إعادة عائدات التصدير في محاولة لمنع ارتفاع عملتها “البات”.
بوجه عام، يبدو أن السيطرة على عائدات المصدرين من العملات الأجنبية ستصبح أداة أساسية في السياسة الاقتصادية الآسيوية.
بالنسبة للدول التي تعتبر نفسها غير قابلة للمنافسة من المستثمرين، فإن التحكم في تدفق رؤوس الأموال إلى الخارج يعد أمرًا مغريًا.
وفي ظل قواعد العولمة الحالية، قد تدفع هذه القيود المستثمرين نحو البحث عن فرص استثمارية أخرى.
لكن إندونيسيا تبدو واثقة بأن الطلب على النيكل وزيت النخيل سيظل مستمرًا، حتى في الظروف الصعبة، مما سيحافظ على ضخ الاستثمارات في البلاد لاستخراج هذه الموارد.
ووفقًا لوكالة الطاقة الدولية، من المتوقع أن يتضاعف الطلب على النيكل عشرين مرة خلال العقدين القادمين.
كذلك، يتوقع تسجيل معدنين آخرين مثل الكوبالت والليثيوم زيادات مماثلة.
مع الأرقام هذه، قد تتمكن المناطق التي تشهد طفرة في استخراج المعادن الحيوية خلال السنوات المقبلة من تجميد أرباحها لفترات طويلة مع الاستمرار في جذب الاستثمارات.
ثقة بمسارات مختلفة
بينما قد تكون للدول الأخرى ثقة بأساليب مختلفة.
فالهند، على سبيل المثال، تؤمن بأن سوقها الاستهلاكية الكبيرة ستحتفظ بجاذبيتها للشركات الأجنبية.
ومع مرور الوقت، زادت نيودلهي من الضرائب على ما تدفعه الفروع للشركات المتعددة الجنسيات مقابل استخدام علاماتها التجارية وتقنياتها.
وفي الوقت الحالي، تبلغ هذه النسبة 20%، وقد تصل إلى 30% في المستقبل، كما هو الحال في الفلبين.
من المحتمل أن يشير صناع السياسات في الأسواق الناشئة إلى أن هذا الأمر لا يختلف كثيرًا عن نهج الاتحاد الأوروبي تجاه أرباح شركات التكنولوجيا الأمريكية الكبرى.
ومع تراجع دخولها إلى أسواق الغرب، ستسعى هذه الدول لتحقيق توازن في العلاقة.
تعتبر ضوابط رأس المال الحديثة وسيلة أخرى لتصعيب الأمور على المستثمرين، نتيجة تجزئة الاقتصاد العالمي، وزيادة اختناقات سلاسل التوريد، وعودة السياسات الصناعية.
ولم يعد القرار النهائي بشأن كيفية إنفاق العوائد بيد المستثمرين؛ بل تدخل الدول، كلما أمكن، لإعادة توجيه هذه الأموال لتلبية مصالحها.
كان الاقتصاد العالمي في الماضي يبدو بسيطًا كجدول بيانات، أما الآن فقد أصبح أكثر تعقيدًا بكثير.
ومع ذلك، يبدو أن تنظيم عائدات المصدرين من العملات الأجنبية سيصبح جزءًا أساسيًا من آليات السياسة الاقتصادية الآسيوية.
بقلم: ميهير شارما، كاتب مقالات رأي لدى “بلومبرج”
