ارتفاع الأسعار يؤثر على ميزانيات المواطنين في سوريا وما وراء ذلك

ارتفاع الأسعار يؤثر على ميزانيات المواطنين في سوريا وما وراء ذلك

مع حلول شهر رمضان، تغيرت ملامح المدن السورية، فتزينت الشرفات بأضواء الزينة، وانتشرت روائح المعروك في الأسواق، ولكن خلف هذا المشهد الروحي تكمن قصة أخرى أثقل، تتمثل في ارتفاع الأسعار، ونعاس الجيوب التي أنهكتها الأوضاع الاقتصادية.

في الأسواق السورية، يقف المواطن أمام واجهات المحلات وكأنه يتفاوض مع الزمن، إذ تسجل أسعار المواد والسلع الغذائية، مثل اللحوم والفروج والخضار، أرقامًا غير مسبوقة، بينما تظل الرواتب على حالها، بالكاد تكفي لأيام معدودة.

الغلاء لم يعد مجرد حالة عابرة، بل بات واقعًا يوميًا يفرض نفسه على تفاصيل الحياة، فأصبحت فاتورة الإفطار البسيط تتجاوز قدرة فئة واسعة من الأسر، التي تجد أنفسها مجبرة على تقليص الأصناف أو الاستغناء عن مواد أساسية كانت تُعد من ضرورات الشهر.

استعرضت عنب بلدي في تقارير سابقة الغلاء المعيشي في الخضار واللحوم، وتراجع إقبال الأهالي على مستلزمات رمضان، تحت وطأة ظروف اقتصادية قاسية تؤثر على قدرتهم الشرائية.

غلاء “مستورد”

هذا الوضع يطرح تساؤلات حول تداعيات هذا الغلاء وتأثيراته على المواطنين.

الخبير الاقتصادي، الدكتور عبد الرحمن محمد، يصف الغلاء في سوريا بأنه ليس مجرد تضخم موسمي، بل هو تضخم هيكلي وجامح، يمكن وصفه بأنه غلاء “مستورد” في معظمه، إذ يعتمد الاقتصاد السوري بشكل كبير على الاستيراد لتلبية جزء كبير من احتياجاته، سواءً بشكل مباشر أو غير مباشر، مثل المواد الأولية ومستلزمات الإنتاج.

يصاحب هذا الغلاء اختناقًا في التمويل وشحًا في السيولة، مما يخلق حالة من “الركود التضخمي”.

اللحوم.. كماليات للأسر

مراسلو عنب بلدي في المحافظات رصدوا ارتفاع أسعار اللحوم مؤخرًا، في ظل تراجع إقبال الأهالي على الشراء.

النوعالسعر (ليرة سورية)
لحم العجل150,000+
لحم الغنم200,000+
فروج30,000+

ويرى الدكتور عبد الرحمن محمد أن اللحوم أصبحت سلعة “كمالية” لا يستطيع معظم السوريين تناولها إلا في المناسبات الخاصة، مرجعًا ذلك لعدة عوامل، أبرزها: تضخم أسعار الأعلاف المستوردة، وتراجع الثروة الحيوانية بسبب الحرب والجفاف، وارتفاع تكاليف النقل والمحروقات.

كما أشار رئيس غرفة زراعة درعا، أنيس مفعلاني، إلى أن نقص المعروض من الدواجن هو السبب الرئيسي لارتفاع الأسعار، نتيجة خسائر مالية تكبدها المربون بسبب الأوبئة وانخفاض الأسعار في الفترات السابقة.

ماذا عن الخضار والفواكه؟

يشهد سوق الخضار في سوريا منذ بداية رمضان ارتفاعًا مستمرًا في الأسعار، ما أثر على قدرة المواطنين الشرائية، وجعلهم يقتصرون على شراء كميات قليلة لتلبية الاحتياجات الأساسية.

أمين سر جمعية حماية المستهلك في دمشق، عبد الرزاق حبزة، أوضح أن زيادة الطلب على الخضار والتصدير لبعض الأصناف حالا دون توافرها في الأسواق، ما أدى لغلو الأسعار.

كما أصدرت اللجنة الوطنية للاستيراد والتصدير قرارات تمنع استيراد أنواع معينة من الخضار، ما ساهم في نقص الكميات المعروضة.

وأرجع الدكتور عبد الرحمن محمد ارتفاع الأسعار إلى غلاء مستلزمات الإنتاج الزراعي، بالإضافة إلى ارتفاع تكاليف النقل، وهشاشة نظام التبريد والتخزين.

رمضان.. تأثير على تغيير نمط الاستهلاك

شهدت الأسواق السورية حركة خجولة تحضيراً لشهر رمضان، حيث انحصرت عمليات الشراء بسبب ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية.

تاجر في سوق باب سريجة بدمشق أكد أن حركة البيع أقل من العام الماضي، حيث يقتصر الشراء على كميات محدودة، ويتجنب الناس السلع الكمالية.

يربط الخبراء رمضان بتأثيره على غلاء السلع، حيث يتم تغيير نمط الاستهلاك لتقديم أطباق رمضانية، ولو بشكل محدود، على حساب مواد أساسية أخرى.

يستغل بعض التجار زيادة الطلب برفع الأسعار، رغم تراجع القوة الشرائية، ففي غالب الأحيان تسبق رمضان موجة جديدة من ارتفاع الأسعار.

تداعيات ترافق الغلاء.. أبرزها خروج المنتجين من السوق

تحولت الأزمة من تحدٍ اقتصادي إلى واقع يومي يفرض أنماطًا جديدة من التكيف.

تظهر التداعيات كحلقات مترابطة في الآثار العميقة التي أعادت تشكيل أولويات الأفراد، وغيّرت ملامح المجتمع.

بحسب الدكتور عبد الرحمن محمد، تتمثل التداعيات في:

  1. اجتماعيًا: تفشي الفقر، وسوء التغذية، وانهيار الطبقة الوسطى.
  2. اقتصاديًا: تآكل المدخرات، وضعف السوق المحلي، وخروج منتجين من السوق.
  3. أمنيًا: زيادة معدلات الجريمة، وتفكك الأسر، وزيادة الهجرة غير الشرعية.
  4. قدرة المواطن: تآكل القدرة الشرائية بشكل كبير، مما يضع المواطن في حالة من “البقاء على قيد الحياة”.

ماهي الحلول؟

الحلول تتطلب رؤية اقتصادية شاملة، بحسب الدكتور عبد الرحمن محمد، وأبرز المطلوب من الحكومة:

  • معالجة جذرية لسعر الصرف: تحتاج إلى استراتيجية واضحة لاستقرار سعر الصرف لفترة ستة أشهر على الأقل، مع إجراءات على مستوى الاقتصاد الكلي.
  • تفعيل الرقابة وضبط السوق: يجب تفعيل دور وزارة التجارة الداخلية لحماية المستهلك، وتشديد الرقابة على الأسواق.
  • دعم الإنتاج المحلي: ينبغي توجيه الدعم للمنتج المحلي، وتقديم قروض ميسرة للمزارعين.
  • تفعيل شبكة الحماية الاجتماعية: يجب إعادة هيكلة الدعم بحيث يصل إلى مستحقيه الفعليين عبر نظام دعم نقدي.
  • ضبط الإنفاق العام: يجب ترشيد الإنفاق الحكومي غير الضروري، وزيادة الموارد نحو القطاعات الإنتاجية.