
عندما تُغلق القنوات الرسمية، فإن حركة السلع لا تتوقف، والمصالح لا تتجمد، بل تبحث عن مسارات بديلة، ومن وسط العقوبات الغربية التي ضيقت الخناق على النظام المالي الروسي، برزت محاولات لتطوير آليات دفع جديدة، فهل ستتمكن هذه المسارات الجديدة من تغيير قواعد اللعبة؟
ابتكار نظام جديد
في ظل العقوبات الغربية المشددة على القطاع المالي الروسي منذ عام 2022، ظهرت شركة “إيه 7” (A7) في محاولة لتطوير آليات الدفع عبر الحدود، وهي مرتبطة بالكرملين، وقد تأسست في أواخر عام 2024 بدعم من بنك “برومسفيازبانك” المتخصص في قطاع الدفاع.
لماذا تأسست؟
تم إطلاق الشركة بعد استبعاد بنوك روسية رئيسية من نظام “سويفت” العالمي، ما أدى إلى تعقيد التحويلات الدولية وإرباك حركة التجارة الخارجية لموسكو، ومع تعطل القنوات المالية التقليدية، اتجهت روسيا للبحث عن بدائل شبه مصرفية تعمل خارج المنظومة الغربية.
كيف تتجاوز سويفت؟
تساعد الشركة الروس على تحويل الأموال بطرق متعددة، أبرزها طباعة أوراق ملونة (تشبه أوراق لعبة “مونوبولي”) تحمل تصاميم مدن روسية، وتبلغ قيمة كل ورقة 5000 دولار، وهذه الأوراق تُستخدم كوسيلة لنقل الأموال خارج روسيا وداخلها دون المرور بالنظام المصرفي.
كيف ذلك؟
يمكن لحامل هذه الأوراق خارج روسيا خدش طبقة رقيقة فضية لكشف رمز الاستجابة السريعة “كيو آر كود”، ثم يُرسل هذا الرمز إلى “بوت” على “تيليجرام”، حيث تصل مندوبة الشركة إلى الموقع المحدد ومعه النقود.
مثال مبسط: يمكن الشخص الذي يتواجد داخل روسيا التوجه إلى مكاتب الشركة واستلام أوراق بقيمة ما يدفعه، وعندما يسافر إلى الخارج، يقوم بكشط الجزء الفضي من الورقة ويرسل رمز الاستجابة السريعة عبر “تيليجرام” ليصل إليه مندوب الشركة بالأموال.
هل تدعمها الحكومة؟
تحل شركة “A7” محل عدد كبير من وكلاء الدفع الإلكتروني الذين انتشروا في جميع أنحاء روسيا منذ بدء الحرب، وقد حصلت على دعم الرئيس “فلاديمير بوتين”، الذي حضر عبر تقنية الفيديو حفل افتتاح أحد مكاتب الشركة في مدينة فلاديفوستوك، أقصى شرق روسيا.
هل نجحت الشركة؟
رغم عمر الشركة القصير الذي لا يتجاوز 18 شهرًا، إلا أنها حققت نجاحات ملحوظة، حيث استحوذت على ما يقرب من 19% من إجمالي عمليات التجارة الخارجية للشركات الروسية، مع معاملات بقيمة 7.5 تريليون روبل (98 مليار دولار) في الأشهر الستة الأولى من إطلاقها.
عملات رقمية
لا تقتصر عمليات الشركة على الأوراق شبه النقدية، بل أطلقت عملة مستقرة باسم (A7A5) مربوطة بالروبل، وقد اعترف بها البنك المركزي لاحقًا كأصل مالي رقمي، مما أضفى عليها صفة قانونية للاستخدام في التجارة الخارجية، وتجاوز حجم معاملاتها 100 مليار دولار منذ إطلاقها في العام الماضي.
إلى ماذا تستند؟
تؤكد الشركة أن الأدوات التي تصدرها، سواء الأوراق شبه النقدية أو العملة الرقمية أو السندات، تستند إلى إطار قانوني روسي يضمن قيمتها كالتزام مالي، وهي مدعومة بودائع في خزائن بنك “برومسفيازبانك” الحكومي.
هل تخطط للتوسع؟
تعتقد “إيه 7” أن هناك فرصًا لمزيد من النمو، حيث أكدت تقارير محلية صادرة أواخر العام الماضي، أن هناك خططًا لاستهداف أمريكا الجنوبية والتوسع في 20 دولة خلال عامين، وذلك لتعزيز البدائل لإتمام التجارة الخارجية، ولكن واشنطن ولندن فرضتا عقوبات على الشركة العام الماضي.
هل تعود للدولار؟
على الرغم من تكثيف الجهود الروسية لإيجاد قنوات دفع بديلة خارج المنظومة الغربية، كشفت مذكرة داخلية أن موسكو تدرس العودة إلى نظام التسويات بالدولار ضمن شراكة اقتصادية أوسع مع إدارة الرئيس “دونالد ترامب”.
مسار مزدوج
تُظهر تجربة “إيه 7” توجهًا روسيًا مزدوج المسار: بناء نظام مالي وقنوات دفع لا ترتبط بالنظام الغربي، مع إبقاء باب العودة إلى الدولار مفتوحًا، وبين الابتكار والبراجماتية التي تحكم المصالح الكبرى، تبدو موسكو وكأنها تعيد رسم موقعها في خريطة التمويل العالمي.
المصادر: أقرأ نيوز 24 – فاينانشال تايمز – بلومبرج.
