
`
كتب .. #ماهر_أبو_طير
في نقاشات تعديلات قانون الضمان الاجتماعي، تبرز “ألغام عائمة” تتعلق بمقترح رفع سن التقاعد، وهو أمر يثير الجدل، فغالباً ما يتم الحديث عن رفع سن التقاعد وكأننا نعيش في ظروف اقتصادية مماثلة للسويد أو النرويج، متجاهلين بذلك الفصل الواضح بين البيئة الاقتصادية الواقعية وسن التقاعد المثالي لتلك الدول، إن من يدعون لرفع سن التقاعد للذكور إلى 63 سنة وللإناث إلى 58 سنة، بذريعة أن سن التقاعد في دول أخرى يصل إلى السبعين، يستخفون بذكاء الأردنيين ووعيهم، فالأرقام الاقتصادية ومعدلات النمو في تلك الدول تختلف جوهريًا عن الأردن، وكذلك حقوق العاملين والمتقاعدين المالية والصحية والتأمينية، كما أن ضمانات البقاء في الوظيفة هناك مشرعنة وغير خاضعة للمزاجية، بالإضافة إلى ارتفاع قيمة دخل الفرد ورصيد الصناديق التقاعدية الذي يُعد مذهلاً.
تحديات صحية واجتماعية
يتساءل الكثيرون عن مدى واقعية رفع سن التقاعد إلى 65 سنة للرجال و60 سنة للنساء في مجتمع كالمجتمع الأردني، حيث يعاني عدد كبير من الأفراد عند وصولهم لهذه الأعمار من أمراض مزمنة كالسكري والضغط وأمراض القلب، مما يجعلهم طريحي الفراش يتألمون ليلاً ونهاراً، منهمكين في ذكر الله والاستغفار، بدلاً من أن يكونوا قادرين على العطاء في سوق العمل.
ضمانات العمل والتقاعد
يجب على من يدعو إلى رفع سن التقاعد أن يقدم ضمانات قانونية واضحة للعاملين، تضمن عدم تخلي أرباب العمل عنهم قبل بلوغهم السن الجديدة، فمن يضمن موافقة صاحب العمل، خاصة في القطاع الخاص، على استمرار الموظف لديه حتى سن 63 عامًا، بينما يمكنه استبداله بشاب أصغر سناً وأقل أجراً، هذا السيناريو قد يؤدي إلى عدم استكمال كثيرين لشروط التقاعد المطلوبة، وبالتالي حرمانهم من الحصول على راتب تقاعدي رغم سنوات دفعهم للاشتراكات، وفي تلك اللحظة، سيجد الفرد نفسه وحيداً، أو مضطراً للتوسل من أجل التمديد له في عمله حتى يكمل شروط التقاعد، وفقاً للتوجه الجديد بالرفع التدريجي لسن التقاعد.
جدوى التعديلات وضرورة الحلول المبتكرة
هل يضمن أحد أن يكون رفع سن التقاعد مفيداً للضمان الاجتماعي نفسه، أم أنه قد يؤدي إلى نتائج سلبية بطرق أخرى، ما يجعله مجرد تأجيل للأزمة بدلاً من تقديم حلول جذرية لها، إن تعديلات قانون الضمان الاجتماعي يجب ألا تمر دون مراعاة دقيقة لحالة الأردنيين المعيشية، وتفشي الفقر وارتفاع الأسعار، فإذا كانت الدراسات الاكتوارية تستلزم اتخاذ إجراءات معينة، فلا يجب أن يكون الحل على حساب فئات واسعة من المجتمع، هذا يستدعي من النواب والوزراء، وجميع الجهات التي تطلق الشعارات العاطفية والوطنية يومياً، تقديم حلول مبتكرة ومستدامة، خاصة في بلد يعاني اقتصادياً لدرجة أن عدد متلقي مساعدات التنمية الاجتماعية يفوق عدد موظفي الدولة، مع توقع تضاعف هذا الرقم لو فُتح الباب لتقديم الطلبات، توجد حلول إضافية يمكن النظر فيها، لكن تمرير التعديلات بهذه السرعة وبطريقة متخفية وراء حوار وطني، رغم تقديرنا لأهميته ومشاركيته، لا ينبغي أن يجعلنا نغفل عن تكلفتها وتبعاتها، فقد أثبتت تجاربنا السابقة أن هذه الحوارات غالباً ما تكون مجرد محاولات لترضية الأطراف، بينما تكون القرارات قد اتُخذت بالفعل، وحينها، قد لا نجد من يدافع عن حقوق الأردنيين، أو من يعترف بمسؤوليته عما آلت إليه الأمور.
المقارنات الخاطئة وغياب الضمانات القانونية
إن رفع سن التقاعد بالاعتماد على تجارب دول تمتلك صناديق اجتماعية بمليارات الدولارات، يعد أمراً مؤسفاً وغير عادل، ومن المرجح أن يفشل هذا التوجه لسبب رئيسي يتمثل في غياب آلية قانونية حقيقية تجبر أرباب العمل على الاحتفاظ بموظفيهم بعد سن الستين، وفي هذه الحالة، سيصبح العامل كمن دفع اشتراكاته لسنوات طويلة دون أن يحصل على حقوقه التقاعدية المستحقة.
المسؤولية الأخلاقية والبحث عن الأسباب الجذرية
حسن النوايا وحدها لا يكفي، فمع إدراكنا أن الهدف المعلن هو حماية صندوق الضمان الاجتماعي، إلا أن مسؤوليتنا الأخلاقية تقتضي عدم الإجحاف بحقوق المشتركين بأي شكل من الأشكال، ويفرض هذا الواقع تساؤلاً جوهرياً: لماذا وصلنا إلى هذا الوضع؟
