«الأرقام الرسمية تُفجّر ملف احتكار المحروقات» أرقام رسمية تفضح سطوة لوبيات المحروقات وتُجهز على المنافسة الشريفة

«الأرقام الرسمية تُفجّر ملف احتكار المحروقات» أرقام رسمية تفضح سطوة لوبيات المحروقات وتُجهز على المنافسة الشريفة

كشف تقرير حديث صادر عن مجلس المنافسة في المغرب، رغم صياغته الفنية والمتحفظة، عن حقيقة مقلقة تتعلق بسوق الغازوال والبنزين، حيث يهيمن هيكل شديد التركيز يمنح لوبيات المحروقات السلطة الحقيقية لتحديد قواعد اللعبة، متجاوزًا بذلك مبادئ السوق الحرة وآليات المنافسة الفعالة.

كشف مجلس المنافسة عن واقع مقلق

وعندما تستحوذ تسع شركات فقط على أكثر من 80% من إجمالي واردات الوقود، وتسيطر على نسبة مماثلة تقريبًا من طاقات التخزين وشبكات التوزيع الواسعة، يصبح وصف السوق بأنها “مفتوحة” مجرد وهم، إذ لا تعبر هذه الهيمنة عن قدرة تنافسية فعلية، بل تكشف عن عائق هيكلي يحول دون دخول أي لاعب جديد قادر على تغيير التوازنات الراهنة أو التأثير في أسعار البيع النهائية للمستهلك.

تباين الأسعار وتضخم الأرباح

تشير الأرقام الرسمية إلى زيادة ملحوظة في كميات الغازوال والبنزين المستوردة، بينما انخفضت قيمتها نسبياً، وهذا التطور كان من المفترض أن ينعكس بشكل مباشر على أسعار البيع للمستهلكين، لكن المعطيات نفسها توثق مسارًا معاكسًا تمامًا، حيث بقيت أسعار الوقود في المحطات شبه مستقرة، بل شهدت ارتفاعات في بعض الأحيان، مما يظهر انفصالًا واضحًا عن التكلفة الحقيقية لاستيرادها.

أما الأمر الأكثر لفتًا للانتباه، فهو ثبات هوامش الربح الخام عند مستويات عالية، دون أن تتأثر بشكل ملحوظ بالتقلبات في الأسواق الدولية، وهذه الظاهرة لا يمكن فصلها عن طبيعة السوق المتركزة، التي تُدار فيها الأسعار وفق منطق جماعي ضمني، يتيح امتصاص أي تراجع في التكاليف وتحويله إلى أرباح صافية بدل تمريره إلى المستهلك النهائي، مما يخلق وضعًا من “المنافسة الشكلية” التي تسفر عن نتائج متشابهة إلى حد كبير.

يُشير التقرير، بطريقة غير مباشرة، إلى أن الانخفاض في تكاليف شراء البنزين لم يُقابله سوى تراجع طفيف في أسعار البيع بالجملة أو التفويت، وهذا يعني أن جزءًا كبيرًا من هذا الانخفاض احتُفظ به ضمن السلسلة التجارية، ففي سوق تنافسية حقيقية، كان هذا الفارق ليُصبح عامل ضغط يدفع الفاعلين لخفض الأسعار، لكن في سوق تسيطر عليها لوبيات قوية، يتحول إلى هامش ربح إضافي ومحمي.

هيمنة الشركات الكبرى رغم الانفتاح الشكلي

وعلى الرغم من تسجيل دخول لاعبين جدد إلى السوق، إلا أن ميزان القوى لم يتغير بشكل جوهري، فالأدوات الحقيقية للسيطرة، مثل الاستيراد والتخزين وشبكات التوزيع الواسعة، ظلت حكرًا على الشركات نفسها التي تهيمن على القطاع، مما يجعل هذا “الانفتاح” أشبه بتوسع شكلي لا يطال جوهر الاحتكار القائم.

المستهلك المغربي: الحلقة الأضعف

في المقابل، تستفيد المالية العمومية من زيادة الإيرادات الضريبية المرتبطة بالمحروقات، غير أن هذا المكسب لا ينبغي أن يحجب حقيقة أساسية، وهي أن المستهلك المغربي ظل بعيدًا عن الاستفادة من هذه التطورات، فبين سوق لا تعكس تراجع التكلفة على أسعارها، ولوبيات تحمي هوامش أرباحها بقوة، تبقى القدرة الشرائية للمواطن هي الحلقة الأضعف والأكثر تضررًا.

خلاصة: سوق نظريًا حرة، عمليًا احتكارية

تبقى الخلاصة النهائية للمشهد، وفقًا لتحليلات المختصين، أن بيانات مجلس المنافسة لا تبرئ ساحة سوق المحروقات في المغرب، بل تدين بشدة هيكله الحالي، فهو سوق مُحرر نظريًا فقط، لكنه على أرض الواقع يخضع لتوازنات لوبيات قوية، مما يفرغ المنافسة من محتواها الحقيقي، ويحول تحديد الأسعار إلى قرار ضمني غير معلن، يدفع المستهلك ثمنه يوميًا عند محطات الوقود.