
خلف ملامحه الهادئة وزيه الأزهري المهيب، كان يختبئ قلب “عارف بالله”، يرى بنور اليقين ما تعجز عنه الحسابات العسكرية، إنه الإمام الأكبر الدكتور عبد الحليم محمود، شيخ الجامع الأزهر الراحل، الذي لم يكن مجرد قمة في العلم والفلسفة، بل كان “دينامو” الروح في حرب أكتوبر المجيدة،
البوابة نيوز انتقلت إلى مسقط رأس الإمام في قرية السلام بمحافظة الشرقية، لتنبش في أرشيفه الخاص، وتستنطق أفراد عائلته حول أسرار العبور وكواليس البشارة النبوية التي غيرت مجرى التاريخ،
رؤيا العبور.. حين استأذن النبي
لم يكن نصر السادس من أكتوبر (العاشر من رمضان) مجرد نصر عسكري فحسب، بل كان تأييدًا بمدد غيبي، وهو ما وثقه الإمام الراحل في قصته الشهيرة، التي يرويها لـ “البوابة نيوز” ابن شقيقته، العمدة محمود صالح، المسؤول عن ساحة الإمام وضريحه، يقول العمدة محمود: “كان خالي الإمام يعيش أيام ما قبل الحرب في حالة من الخلوة والتبتل، وفي ليلة استيقظ وهو في قمة الاستبشار، فقد رأى في منامه رسول الله وهو يعبر قناة السويس ومعه علماء المسلمين وضباط وجنود مصر، وخلفهم الرايات مرفوعة بكلمة الله أكبر،” هذه الرؤيا لم تكن مجرد حلم، بل كانت “إشارة خضراء” للقيادة السياسية؛ حيث سارع الإمام للقاء الرئيس الراحل محمد أنور السادات ليخبره بالبشرى، وهو ما كان له أثر السحر في زيادة يقين السادات بقدرة الجيش المصري على تحقيق المعجزة، لتتحول الرؤيا إلى خطة عمليات على الأرض،
أرشيف قرية السلام.. وثائق وصور تكشف لأول مرة
في جولة ميدانية لـ “البوابة” داخل الأرشيف الخاص للإمام بمسقط رأسه، حيث الساحة والمركز الإسلامي والضريح، عثرنا على أوراق وصور نادرة، لم يكن الإمام يكتفي بمحرابه، بل كان يخطو بثبات بين خنادق الجنود على الجبهة، مرتديًا عمامته الأزهرية وسط نيران المعركة، الأرشيف يضم صورًا نادرة للإمام وهو يخطب في المقاتلين، مؤكدًا لهم بلسان الواثق، لم يتوقف دور الإمام عند الوعظ، بل استنفر طاقات الأزهر الشريف وعلمائه للوجود الدائم وسط الجنود، لتتحول الجبهة من مجرد ساحة قتال إلى محراب للصلاة والذكر، وهو ما يفسر سر صيحة “الله أكبر” التي هزت أركان خط بارليف،
النموذج الأزهري في مواجهة خوارج العصر
يقدم الإمام عبد الحليم محمود في هذا التقرير نموذجًا فريدًا لكيفية استخدام الدين كقوة دافعة لبناء الدولة وحمايتها، وهو ما يتناقض جذريًا مع الجماعات الإرهابية التي تتخذ من الدين وسيلة لهدم الأوطان، البشارة النبوية كانت بمثابة “ترياق” لمداواة إحباطات نكسة 67، وإعادة بناء الهوية والروح المعنوية المنهارة والوجود الميداني، كسر الصورة التقليدية للعالم المنعزل،
تحقق الوعد.. ملحمة العاشر من رمضان
وبالفعل، وكما رأى الإمام في منامه، صعد الأسود الساتر الترابي بصيحات التكبير التي زلزلت الأرض تحت أقدام المعتدين، رحل الإمام عبد الحليم محمود عن عالمنا، لكن تظل قرية “السلام” بمقتنياتها وأسرارها شاهدة على أن مصر تمتلك دائمًا “حائط صد” روحاني لا يقل قوة عن درعها العسكري، وأن “أهل الله” في هذا الوطن كانوا وما زالوا الشركاء الحقيقيين في صناعة أعظم انتصارات الأمة،
