التصورات الاستراتيجية الأمريكية تجاه السعودية وتأثيرها على الوضع في اليمن

التصورات الاستراتيجية الأمريكية تجاه السعودية وتأثيرها على الوضع في اليمن

13 كانون2/يناير 2026

تحليل| أنس القاضي

تظل السعودية في إطار هيمنة أمريكية واضحة، رغم تغيير الأدوار والمهام الموكلة إليها، إضافة إلى تنوع علاقاتها الخارجية، حيث تعتمد الولايات المتحدة بشكل كامل على المملكة في الجوانب الأمنية.

لم تتأثر أهمية الرياض لدى واشنطن بتغيير استراتيجية الأمن القومي الأمريكية، لكن تغيرت الأدوار التي يتعين على السعودية القيام بها، فهل تنجح المملكة في تلبية الرغبات الأمريكية الجديدة، خاصة وأن الولايات المتحدة لم تحسم موقفها بعد بشأن تمكين السعودية من تلك الأدوار؟

تعتبر الورقة البحثية الأمريكية التي تحمل عنوان “سدّ الفجوة المؤسسية في استراتيجية ترامب للشرق الأوسط”، الصادرة في 18 ديسمبر 2025م عن معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، إعداد كلاً من “إليزابيث دينت” والسفير “دينس روس”، وثيقةً توضح النقاشات الراهنة داخل دوائر البحث والاستشارة في واشنطن.

تقدم الورقة تشخيصاً لوضع أمريكي داخلي يعبّر عن قدرة الولايات المتحدة على تحويل استراتيجيتها في منطقة الخليج، من الوجود العسكري المباشر إلى إدارة النفوذ باستخدام أدوات تقنية واقتصادية، مع التركيز على السعودية ودول الخليج.

تستمد هذه الورقة الأمريكية أهميتها من هوية كاتبيها ومكانة المؤسسة التي صدرت عنها؛ إذ تنتمي إلى مدرسة فكرية كانت فعليًا جزءًا من صياغة السياسات الأمريكية تجاه المنطقة، وتهدف إلى تقييم فعالية الأدوات التنفيذية للدولة الأمريكية، بدلاً من تقديم توصيات نظرية عامة.

هذا التحليل هو قراءة للورقة الأمريكية الأصلية لاستخلاص دلالاتها الاستراتيجية، في ظل استمرار العدوان السعودي والتنافس الاستراتيجي مع اليمن.

الإطار العام للتحول الأمريكي

تعكس الورقة إعادة التموضع الأمريكي في المنطقة نحو إدارة النفوذ باستخدام أدوات اقتصادية وتقنية، بدلاً من الوجود العسكري المباشر، وهذا التحول لا يعني انسحابًا، بل إعادة صياغة آليات الهيمنة لضمان التفوق الأمريكي مع تقليص المخاطر السياسية والعسكرية، حيث يشير اعتراف الكاتبين بوجود “فجوة مؤسسية” إلى أن واشنطن ترى ضرورة تغيير آليات الهيمنة والعلاقة، لكنها غير مكتملة الجاهزية، مما يجعل مرحلة الانتقال حساسة وقابلة للاهتزاز تحت الضغط.

إعادة تعريف الشراكة مع السعودية

تظهر الورقة انتقال العلاقة الأميركية-السعودية من “الحليف الأمني” إلى “الشريك الوظيفي” في مجالات التقنية والاستثمار والطاقة والمعادن، حيث تؤسس الاتفاقات المعلنة مثل الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات، نظام اعتماد متبادل، لكن يخضع لرقابة أمريكية متزايدة، وبالتالي، لا تُمنح السعودية سيادة تقنية كاملة، بل في إطار يضمن استخدام القدرات تحت السيطرة الأمريكية، مما يعكس اختلالاً في العلاقة لصالح الولايات المتحدة، حيث تسعى السعودية لتعويض فجوات أمنها عبر الاندماج التقني-الاقتصادي.

الذكاء الاصطناعي والحوسبة بوصفهما أدوات ضبط

يحتل ملف الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات صدارة التحول، حيث تنتقل ضوابط التصدير من منع وصول هذه التقنية للسعودية إلى إتاحتها مع تقييد الحرية السعودية فيها، مما يخلق نمط سيادة مقيدة، حيث تمتلك المملكة البنية التحتية ولكن دون تحكم كامل في التشغيل والبيانات.

الاستثمار السيادي وحدود الرقابة

تعترف الورقة بأن آليات الفحص الحالية (CFIUS) تقيم المعاملات الفردية دون قياس التعرض التراكمي على المدى الطويل، مما يؤدي إلى فجوة رقابية، وهذا يعكس قلقاً من نفوذ المال الخليجي في الاقتصاد الأمريكي، مما يجعل القرار الأمريكي متأرجحاً بين جذب الاستثمارات واحتواء المخاطر.

النووي المدني وإدارة الزمن

يعتمد الطرح النووي على معالجة الإشكالات الحساسة بدلاً من حسمها، عبر تأجيل قضايا مثل التخصيب، مما يخلق اعتماداً على أمريكا يجعل أي تحول سعودي في فرض سيادتها مكلفاً، رغم أن التاريخ يشير إلى هشاشة هذا الرهان، حيث إن تغييرات التوازنات قد تدفع لإعادة تقييم تلك الكلفة.

المعادن الحيوية وسلاسل التوريد

تعتبر المعادن الحيوية عنصراً أساسياً للتقنيات المتقدمة، مما يدفع الولايات المتحدة لتقليل اعتمادها على الصين عبر إدماج السعودية في هذا المجال، مما يعني أن السعودية ستعمل كمصنع أولي لأمريكا، مما قد يؤدي إلى نقاط ضعف محتملة بسبب اختناقات الإمداد.

ختاماً

تُعيد واشنطن صياغة نفوذها بأساليب اقتصادية-تقنية أقل كلفة عسكرية، لكنها تبقى غير مكتملة، مما يجعل المسار عرضة للاهتزاز، حيث تزداد اعتماد السعودية على الأنظمة الأمريكية، مما يرفع من قيمة الردع اليمني، مما يدل على تراجع قدرة الحسم العسكري التقليدي للسعودية في عدوانها على اليمن.

يُظهر هذا التحول تزايد اعتماد السعودية على أدوات غير مباشرة، والزيادة في أهمية التقنية الحديثة وسلاسل التوريد، مما يجعل الاستقرار الملاحي والعلاقات التجارية عوامل ضغط على السعودية والولايات المتحدة، بينما اعتراف واشنطن بالفجوة المؤسسية يعني أن القرار سيظل بطيئًا ومجزأً، وأكثر عرضة للضغط السياسي والإعلامي.

“1” أشباه الموصلات هي مواد صلبة (مثل السيليكون والجرمانيوم) تقع خصائصها الكهربائية بين الموصلات (مثل النحاس) والعوازل (مثل الزجاج)، حيث يمكن التحكم في توصيلها للكهرباء عن طريق ضبط عوامل مثل الحرارة أو إضافة شوائب (تسمى التطعيم). هذه المواد هي أساس صناعة الرقائق الإلكترونية التي تشغل كل شيء من الهواتف الذكية إلى أجهزة الكمبيوتر، وتقوم بتكبير الإشارات وتبديلها وتحويل الطاقة، مما يجعلها حيوية للتكنولوجيا الحديثة والذكاء الاصطناعي.