
تشهد ليبيا تصاعدًا في التحذيرات والمطالب السياسية التي تؤكد ضرورة تفعيل مخرجات التقارير الرقابية، وتحويلها إلى أدوات فاعلة لمكافحة الفساد، بمعزل عن تأثير الانقسام السياسي والحكومي المستمر، الذي يعرقل قدرة الدولة على ممارسة الرقابة والمساءلة بكفاءة.
وتأتي هذه المطالب في أعقاب صدور تقرير ديوان المحاسبة لهذا الشهر عن العام الماضي، والذي تضمن العديد من الملاحظات والتجاوزات المالية والإدارية، إلا أن التفاعل معه كان محدودًا، ولم يثر نقاشًا واسعًا في الفضاء العام، أو اهتمامًا جادًا من النخب السياسية كما كان عليه الحال في السنوات السابقة، وقد أرجع مراقبون هذا الفتور إلى التصعيد السياسي الأخير الذي تشهده الساحة، على خلفية تجدد النزاع بين مجلسي النواب و«الأعلى للدولة»، بشأن المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، والذي وصل إلى حد تبادل الاتهامات بين رئاسة كل منهما بعرقلة المسار الانتخابي.
ضعف آليات المحاسبة
يرى مراقبون أن حالة الانقسام السياسي الراهنة ووجود حكومتين تتنازعان على السلطة، هي عوامل أضعفت بشكل كبير القدرة على تفعيل آليات المحاسبة السياسية والقانونية، وأسهمت تدريجيًا في تحول التقارير الرقابية من أدوات للمساءلة إلى مجرد أوراق تُوظف بشكل انتقائي في هذا الصراع، الأمر الذي أفقدها وزنها السياسي ومصداقيتها.
وقد أطلقت أصوات سياسية عديدة تحذيرات من التداعيات الخطيرة للنهج الراهن، الذي يغلب الصراع السياسي على فاعلية المحاسبة، وعدم التدقيق فيما ورد بالتقارير الرقابية، ما يمهد لتحويلها إلى مجرد حدث إعلامي عابر، ويفقدها الزخم المجتمعي المطلوب.
وحسب رئيس «الاتحاد الوطني للأحزاب الليبية»، أسعد زهيو، فإن «تغوّل الفساد وترسيخه وشرعنته» يُعد أحد أبرز التداعيات المتوقعة للوضع الراهن، مبرزًا أن «الفساد بات يتغذى على استمرار توظيف تقارير الأجهزة الرقابية بصفتها أدوات ضغط في صراع سياسي محتدم على السلطة، بدلاً من استخدامها وثائق لكشف المخالفات الإدارية والمالية وردع مرتكبيها».
وقال زهيو، لـ«الشرق الأوسط»، إن البرلمان، بصفته سلطة تشريعية ورقابية، «كان يُفترض أن يُحرك دعاوى قضائية بعد التدقيق في المخالفات الواردة بتقرير ديوان المحاسبة، والتي ترتقي إلى شبهات فساد، إلا أنه انخرط كغيره من الأجسام السياسية، في مناكفات مع الخصوم».
وتعيش ليبيا حالة من ازدواجية السلطة بين حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة برئاسة عبد الحميد الدبيبة، وحكومة ثانية يرأسها أسامة حماد، مكلفة من البرلمان، وتحظى بدعم قائد «الجيش الوطني» المشير خليفة حفتر، وتدير المنطقة الشرقية وبعض مدن الجنوب.
ويرى زهيو أن «تعامل البرلمان مع التقارير الرقابية لطالما اتسم في كثير من الأحيان بالانتقائية، عبر التركيز على التجاوزات المنسوبة لوزارات حكومة الوحدة الوطنية»، وهو ما أسهم – حسب تقديره – في «إفلات مرتكبي الفساد في قطاعات وملفات أخرى من العقاب، وتشجيع تكرار الممارسات ذاتها».
من جانبه، حمّل المستشار السابق بالأمم المتحدة، إبراهيم قرادة، جانبًا كبيرًا من المسؤولية لحالة التطاحن السياسي بين أطراف الأزمة، معتبرًا أن هذا الصراع «عطّل فعليًا دور الرقابة وأفرغها من مضمونها».
وأشار قرادة لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «امتناع البرلمان في كثير من الأحيان عن تسجيل ملاحظات على أداء الحكومة المكلفة من قبله، مقابل استمرار مناكفته لحكومة (الوحدة)، أسهم في تآكل هيبته لدى الشارع، وهي جزء لا يتجزأ من سلطته القانونية، وبات قطاع غير هين يتعامل مع قرارات البرلمان بدرجة متزايدة من عدم الاكتراث، وتوسعت الحكومتان المتنازعتان على السلطة في الإنفاق».
وحذّر قرادة من تداعيات هذا الإنفاق الموسع، خاصة في ظل «تراجع أسعار النفط، المصدر الرئيسي للدخل، وغياب الشفافية في إدارة الموارد والمشاريع الكبرى»، موضحًا أن «المخاطر لن تقتصر على زيادة تأزم الوضع الاقتصادي، وارتفاع الأسعار على المواطنين وتراجع قدرتهم الشرائية، بل ستمتد لتشكيل بيئة ملائمة لترسيخ الفساد بدلاً من كبح جماحه».
تقاعس برلماني
توضح بيانات الدين العام الليبي حتى عام 2024 حجم التحديات المالية التي تواجه البلاد:
| البيان | القيمة (مليار دينار ليبي) | ملاحظات |
|---|---|---|
| إجمالي الدين العام | 270 | حتى عام 2024 |
| دين مناطق حكومة الوحدة الوطنية | 84 | رصدها وديوان المحاسبة ودققها |
| دين مناطق المصرف المركزي بالشرق | 186 | لم يدققها الديوان، رصدها المصرف المركزي |
ملاحظة: سعر الدولار يساوي 5.41 دينار ليبي في السوق الرسمية.
في هذا السياق، انتقد قرادة ما أسماه «تقاعس لجان البرلمان عن ممارسة دورها الرقابي بفاعلية، عبر عدم التوقف الكافي لما ورد بالتقارير الرقابية»، مرجعًا ذلك إلى «انشغال أعضائها بالصراع على السلطة، أو صعوبة الوصول إلى المستندات، أو ضعف الاهتمام أحيانًا».
وأشار قرادة إلى وجود ملفات «يتجنب الجميع الاقتراب منها خشية الاصطدام بشخصيات نافذة شرقًا وغربًا»، مستشهدًا بما يُتداول إعلاميًا عن «تجاوزات في ملف النفط تصب لصالح شخصيات متنفذة شرقًا وغربًا، وكيف يقتصر تعامل النواب وغيرهم من السياسيين معها على طرح علامات الاستفهام حولها، دون محاولة بذل جهد لتحرٍ حقيقي واطلاع الرأي العام».
ورغم تأكيده على أن «غياب المحاسبة يعزز تفشي الفساد»، يشدد قرادة في الوقت نفسه على أن «تقارير الأجهزة الرقابية تُعدّ بمثابة وثائق قانونية لا تسقط بالتقادم».
بدوره، رأى «رئيس الهيئة العليا للتحالف الوطني»، توفيق الشهيبي، أن توظيف التقارير الرقابية في التجاذبات السياسية، وتجاهل مخرجاتها، أسهما في ترسيخ انطباع عام بأنها باتت – من حيث النتيجة – جزءًا من مشهد العجز المؤسسي الذي يغذي الفساد بدل الحد منه.
ولفت الشهيبي في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى «ما يلاحق بعض شاغلي المناصب العليا في هذه الأجهزة من اتهامات بالاستفادة من حالة الانقسام لضمان بقائهم في مواقعهم، رغم انتهاء مددهم القانونية».
وقلّل الشهيبي من التعويل على النيابة العامة في ملاحقة جميع التجاوزات، معتقدًا أن «غالبية القضايا تطول صغار الفاسدين، بينما تبقى ملفات الفساد الكبرى محل تساؤل؛ نظرًا لعدم التطرق لبعضها من الأساس في التقارير».
وعلى مدار السنوات الأخيرة، احتلت ليبيا مركزًا متقدمًا في ترتيب الدول العشر الأكثر فسادًا حول العالم، وفقًا لتقارير منظمة الشفافية الدولية.
