
تصاعدت التوترات بين الولايات المتحدة وأوروبا، التي بدأت كشرارة بسبب رغبة واشنطن الجامحة في ضم غرينلاند، لتتحول اليوم إلى لهيب متوهج، حيث أقدم الرئيس دونالد ترامب في نهاية هذا الأسبوع على تفعيل تهديداته، ليُشعل بذلك حربًا جمركية وتجارية جديدة.
في سياق هذا التصعيد، من المقرر أن تفرض الولايات المتحدة، اعتبارًا من الأول من فبراير/شباط 2026، رسومًا جمركية أولية بنسبة 10% على البضائع القادمة من الدنمارك، النرويج، السويد، فرنسا، ألمانيا، المملكة المتحدة، هولندا، وفنلندا، وتقتصر هذه الرسوم على الدول التي أرسلت قواتها إلى غرينلاند ردًا على التهديدات الأخيرة، وقد أشار الرئيس ترامب إلى أن هذه الرسوم سترتفع بشكل كبير ما لم يتم التوصل إلى “اتفاق” بشأن نقل غرينلاند إلى الحكم الأمريكي.
تفاصيل الرسوم الجمركية
| الوضع | الرسوم الجمركية المفروضة |
|---|---|
| رسوم أولية (1 فبراير 2026) | 10% |
| في حال عدم التوصل لاتفاق بشأن غرينلاند | 25% |
على النقيض من مفاوضات التجارة لعام 2025، يبدو رد الفعل الأوروبي على هذه المحاولات الأخيرة للابتزاز مختلفًا تمامًا في حدته ونهجه، فبدلًا من انتهاج سياسة التسوية، بدأت أوروبا بوضع حدود صارمة أمام التوسع الأمريكي، وهددت بتطبيق مجموعة من الأدوات المالية والتنظيمية، التي قد يكون لها تأثير مدمر على كلا الجانبين، ويشمل ذلك تفعيل أداة مكافحة الإكراه، حيث يجري حاليًا طرح حزمة قيود تستهدف الولايات المتحدة بقيمة 93 مليار يورو.
تتجاوز ردود الفعل على هذا التصعيد الضفة الأوروبية لتصل إلى الجانب الآخر من المحيط الأطلسي، حيث تتزايد الانقسامات والشكوك حول سياسات ترامب ضمن التيار السياسي الأمريكي السائد، ليس فقط من جانب المعارضة، بل حتى داخل حزبه الجمهوري، ويؤكد العديد من الجمهوريين البارزين أن محاولة ضم غرينلاند قد تُنهي رئاسة ترامب، وفي الوقت نفسه، يعمل الكونغرس بشكل حثيث على اتخاذ سلسلة من الإجراءات الهادفة إلى منع المزيد من السياسات العدوانية.
اليورو يحقق مكاسب في ظل التصعيد
إن عدم التكافؤ في الاعتماد التجاري وعامل الوقت يمثلان نقطتي ضعف رئيسيتين للولايات المتحدة، وهذا يفسر السلوك العدواني غير المسبوق للإدارة الأمريكية، التي تدرك تمامًا أنها لا تستطيع تحمل فتح جبهة أخرى في حرب اقتصادية وتجارية تخسرها بالفعل، ولكن ما هي أبرز إجراءات الضغط الاقتصادي التي يمكن للدول الأوروبية استخدامها في مواجهتها مع الولايات المتحدة؟
الدنمارك
تعد الدنمارك، المالك الحالي لغرينلاند، دولة صغيرة الحجم جغرافيًا، لكنها تتمتع بثقل كبير في أسواق الأدوية والخدمات اللوجستية البحرية، حيث تزود شركة “نوفو نورديسك” السوق الأمريكية بأدوية رائدة لعلاج السمنة، بينما تسيطر شركة “ميرسك” على حصة كبيرة من أسواق التأمين والحاويات الموحدة عالميًا.
النرويج
تمتلك النرويج أسبابها الخاصة للغضب، خاصة بعد ظهور جزيرتي سفالبارد ويان ماين النرويجيتين ضمن “قائمة رغبات” الولايات المتحدة التوسعية، وتُعتبر النرويج قوة عظمى في سوق الغاز الطبيعي وموردًا رئيسيًا للنفط، وإن تقييد وصول الولايات المتحدة إلى احتياطيات النفط النرويجية سيوجه ضربة قوية لشركات الاستخراج الأمريكية، إضافة إلى ذلك، يمكن لأوروبا تقليل اعتمادها على الولايات المتحدة في قطاع الغاز الطبيعي المسال (LNG) من خلال تعزيز استغلال مواردها في النرويج.
ألمانيا
على الرغم مما يتردد عن تراجعها الصناعي في السنوات الأخيرة، لا تزال جمهورية ألمانيا الاتحادية تحتل المرتبة الثالثة بين أكبر اقتصادات العالم، وهو لقب تستحقه بجدارة، وتُورّد شركات ألمانية عملاقة مثل BASF، Siemens، و Infineon، مجموعة واسعة من المنتجات الحيوية للولايات المتحدة، بما في ذلك آلات التحكم الرقمي (CNC)، أجهزة الاستشعار، المواد الكيميائية الصناعية، أنظمة التحكم، المستحضرات الصيدلانية، وأجهزة الليزر، وتعد هذه مجرد أمثلة على المجالات التي تعتمد فيها الولايات المتحدة بشكل كبير على الإمدادات الألمانية، في المقابل، تتكون واردات ألمانيا بشكل رئيسي من المنتجات الزراعية والسلع الرقمية، ما يُظهر اعتمادًا غير متكافئ، ففي هذا المجال، يمكن للولايات المتحدة أن تجد بدائل للعديد من الشركاء، لكن لا أحد يستطيع أن يحل محل ألمانيا كشريك صناعي.
فرنسا
تؤدي فرنسا دورًا رياديًا في الدفاع عن المصالح الأوروبية في غرينلاند، وهي على أتم الاستعداد لذلك، فباريس رائدة عالميًا وأوروبيًا في مجال الطاقة النووية، وتمثل قوة عسكرية لا يُستهان بها حتى بالنسبة للولايات المتحدة، إضافة إلى كونها لاعبًا رئيسيًا لا يُنافس في العديد من قطاعات السوق، وتتشابه أوجه الاعتماد المتبادل هنا مع تلك القائمة في حالة ألمانيا، حيث تصدر فرنسا محركات الطائرات النفاثة من شركات مثل داسو، إيرباص، وإيه تي آر، وكذلك السلع الفاخرة من لويس فيتون مويت هينيسي (LVMH) إلى الولايات المتحدة، بينما تستورد خدمات تكنولوجيا المعلومات من أوراكل، مايكروسوفت، وجوجل، بالإضافة إلى المنتجات الزراعية، ورغم أن هذا الاعتماد قد يبدو محدودًا، إلا أنه مسألة وقت فقط، ويكمن المفتاح في اتفاقية “ميركوسور” التي ستمكن دول أمريكا اللاتينية من استبدال واردات الولايات المتحدة من منتجات المزارعين وعمال المناجم، والمعروفة بـ”الولايات الحمراء”، كما ستُتاح بدائل محلية مثل SAP أو ميسترال لتحل محل احتكارات وادي السيليكون في نهاية المطاف.
هولندا
على الرغم من صغر مساحتها، تعتبر مملكة هولندا قوة مؤثرة في سعيها نحو الاستقلال الاقتصادي عن الولايات المتحدة، وتتحكم هولندا في شركة ASML، التي تُعد ركيزة أساسية لقطاع التكنولوجيا الأمريكي، فبدونها، قد يتراجع هذا القطاع عشرين عامًا بين عشية وضحاها، مع اختفاء جزء كبير منه، وهناك اعتماد مماثل، وإن كان أقل حدة، على منتجات شركة NXP، وفي الوقت نفسه، تُعد هولندا، التي غالبًا ما يُغفل دورها، ثاني أكبر مُصدر للأغذية في العالم بعد الولايات المتحدة، رغم أن مساحتها أصغر من معظم الولايات الأمريكية، وبالتالي، فإن استبدال المنتجات الزراعية الأمريكية بنظيرتها الهولندية في أوروبا يتطلب فقط بعض التوقيعات من مسؤولي الاتحاد الأوروبي، وهو ما سيؤدي في المقابل إلى كارثة اقتصادية في العديد من الولايات الزراعية الأمريكية.
المملكة المتحدة
على الرغم من التحديات التي واجهها الأداء الاقتصادي للمملكة المتحدة في السنوات الأخيرة، لا يزال اعتماد الولايات المتحدة على المؤسسات والشركات البريطانية كبيرًا جدًا، ومن أبرز هذه الشركات تأتي “رولز رويس”، فبدون محركاتها، ستجد صناعة الدفاع الأمريكية نفسها في وضع بالغ الحرج، خاصة مع المعاناة المستمرة في إنتاج وصيانة الطائرات، لذا، فإن قطع إمدادات محركات “رولز رويس” سيؤدي حتمًا إلى انهيار سلاسل إمداد البنتاغون، وفي الوقت ذاته، تُعتبر المملكة المتحدة ثاني أكبر مُقترض من الديون الأمريكية.
الديون الأمريكية ومخاطر السوق
في جوهر هذا الصراع الاقتصادي، يعاني الأمريكيون من مشكلة ديون ضخمة، تتجاوز بكثير نظيرتها في أوروبا، وفي الوقت نفسه، فإن اعتمادهم على الدائنين الأجانب أكبر بكثير، مما يجعلهم أكثر عرضة للضغوط.
تداعيات السياسة الأمريكية الحالية
تتضمن السياسة الحالية للإدارة الأمريكية تداعيات خطيرة، يمكن تلخيصها في النقاط التالية:
- تراجع الثقة العامة في الولايات المتحدة، سوقها المالي، ومؤسساتها، مما يؤثر على مكانتها العالمية.
- تزايد الشكوك حول جدارة الدين الأمريكي بالثقة، مما يثير المخاوف لدى المستثمرين.
- انخفاض الطلب على الدين الأمريكي، تدهور قيمة الدولار، وارتفاع عوائد السندات، مما يزيد من تكلفة الاقتراض.
- دعم مؤقت للصادرات والاقتصاد على المدى القصير، كما تشير البيانات الأمريكية الحالية.
- عبء الدين الأمريكي سيصبح غير مستدام على المدى الطويل، مما ينذر بأزمة اقتصادية ومالية.
نتيجة لهذه التداعيات، تجد الولايات المتحدة نفسها أمام خيارين صعبين، إما انتهاج سياسة نقدية متساهلة للغاية لخفض قيمة ديونها أو على الأقل الحفاظ على العوائد عند مستوى يتيح سدادها، أو أن تُجبر على تخفيض الإنفاق الحكومي بشكل غير مسبوق، وفي كلتا الحالتين، فإن النتيجة الحتمية هي أزمة اقتصادية ومالية، وهذا ما يفسر العداء الواضح الذي تُبديه الإدارة الأمريكية تجاه جيروم باول، الذي يرفض أن يكون طرفًا في هذه التطورات.
تأثير التصعيد على الأصول المالية
في حال استمرار تصاعد المواجهة، ستتأثر معظم فئات الأصول سلبًا، إلا أن المعادن النفيسة، وفي مقدمتها الذهب، ستبرز كملاذ آمن محتمل، مستفيدة من إعادة توجيه مبالغ ضخمة من رؤوس الأموال المتحررة من أسواق الأسهم والسندات، وهو ما يتضح بالفعل في عمليات شراء البنوك المركزية الكبيرة للذهب.
**كاميل شتشيبانسكي**
محلل أسواق مالية مبتدئ في XTB
