
يُعدّ الحنيذ أيقونةً بارزة في الموروث الغذائي بمنطقة عسير، وجزءًا لا يتجزأ من ثقافة الضيافة الجنوبية الأصيلة، فقد تخطى مكانته كوجبة شعبية ليصبح منتجًا ثقافيًا، سياحيًا، واقتصاديًا، يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالمكان والإنسان، ويعكس علاقة عميقة ومتجذّرة بين المطبخ المحلي وبيئته الطبيعية الغنية.
مع انطلاق النسخة الثانية من مهرجان الحنيذ في محافظة محايل عسير، أصبح الحنيذ يُمثل تجربةً تراثية متكاملة، تستقطب نخبةً من الطهاة المحليين والعالميين، وتقدم لمحةً فريدة عن الهوية الغذائية الجنوبية التي تجمع ببراعة بين الأصالة والتجديد.
محايل عسير: وجهة الطعم الجنوبي الأصيل
اشتهرت المحافظات التهامية في منطقة عسير، وعلى رأسها محافظة محايل، ببراعتها في إعداد وتقديم الحنيذ، مما جعلها وجهةً مفضلة للباحثين عن “الطعم الجنوبي الأصيل” والمذاق الفريد.
الحنيذ: تجربة طهي فريدة وإلهام للطهاة
شهد الحنيذ تحولًا ملحوظًا مع تطور أساليب العرض والخدمة، ليصبح تجربةً قائمة بذاتها، وقد ساعد ذلك في جذب طهاة محترفين من مختلف أنحاء المملكة وخارجها، الذين وجدوا في طرق إعداده التقليدية مصدر إلهام حقيقي، كما رأوا في نكهته البطيئة المميزة، الناتجة عن عملية الدفن المحكمة والحرارة المتوازنة، تميزًا لا يتقنه إلا أصحاب الخبرات المتوارثة في هذه المحافظة العريقة.
أسرار إعداد الحنيذ على الطريقة العسيرية الأصيلة
يُفصّل وائل عسيري، أحد المتخصصين في تقديم الحنيذ بمحايل عسير، خلال حديثه لموقع “أقرأ نيوز 24″، أن عملية إعداد الحنيذ تبدأ باختيار اللحم وتجهيزه بعناية فائقة، مع الحرص على تتبيله ببساطة أو تقديمه دون إضافات للحفاظ على مذاقه الطبيعي الأصيل، تلي ذلك مرحلة تجهيز حفرة الطهي بإشعال النار حتى يتحول الحطب إلى جمرٍ متوهّج، ثم تُفرش طبقة من عيدان السلع الرطبة بعناية، ويُرتب اللحم فوقها وفقًا للحجم، مع الفصل بين الطبقات بأغصان المرخ الجافة التي تلعب دورًا حيويًا في حفظ الرطوبة ومنح اللحم نكهته الفريدة والمميزة، بعد ذلك، تُغلق الحفرة بإحكام لضمان توزيع مثالي للحرارة، ويستغرق الطهي عادةً ما بين ساعتين إلى ثلاث ساعات، حسب نوع اللحم ووزنه لضمان النضج المثالي.
مسميات أدوات الطهي: مرآة لخبرة المطبخ الجنوبي
في الموروث المحلي العسيري، تحمل أدوات ومساحات الطهي مسمياتٍ عريقة لا تزال حية في الذاكرة، فالحفرة المخصصة للطهي تُعرف بـ”المحنذ” أو “المحنذة”، ويُستخدم كذلك “الميفا” أو التنور الفخاري في بعض البيئات لإعداد الحنيذ، هذه المسميات لا تختصر فقط فلسفة الطهي البطيء الذي يعتمد على الدفن والحرارة الطبيعية، بل تعكس أيضًا الخبرة المتعمقة للإنسان الجنوبي في استثمار عناصر بيئته بذكاء وحكمة.
مكملات مائدة الحنيذ: أطباق شعبية تعزز التجربة
تُعد الأطباق الشعبية المصاحبة للحنيذ جزءًا لا يتجزأ من طقوس المائدة العسيرية، حيث تُقدم فطائر الدخن والذرة كخبزٍ تقليدي فاخر، إلى جانب طبق المعصوب الشهي، والبامية المطهية بأسلوب محلي فريد، والمغشّات التي تُعد بعناية في أوانٍ حجرية على نار هادئة، كما يُضاف زيت السمسم النقي (السليط) كعنصرٍ أساسي يُضفي نكهةً مميزة، لتكتمل بذلك صورة المائدة العسيرية التي تُبرز تنوع الموروث الغذائي وتكامل أطباقه مع الحنيذ كعنوانٍ للضيافة والكرم.
الحنيذ: محرك اقتصادي وماركة سياحية في محايل عسير
ساهم انتشار الحنيذ وتسويقه الفعال في تعزيز النشاط الاقتصادي بمحايل عسير، وذلك من خلال سلسلة قيمة متكاملة تبدأ من تربية المواشي، مرورًا بالعمالة، توفير الحطب والمستلزمات الأخرى مثل استزراع المرخ والسلع، وتصل حتى خدمات البيع والتجهيز الاحترافية، كما لعبت المهرجانات المتخصصة دورًا محوريًا في رفع مستوى الوعي بهذا المنتج وتحويله إلى علامةٍ تجارية مرموقة ومعروفة على مستوى المملكة ودول الخليج، مما يدعم بقوة فرص الاستثمار ويعزّز حضور المطبخ المحلي الأصيل ضمن المشهد السياحي المتنامي.
مهرجان الحنيذ الثاني: منصة عالمية للتراث الغذائي
يُبرز مهرجان الحنيذ الثاني هذا التحول الكبير، من خلال استضافة نخبةٍ من الطهاة العالميين الذين أبدوا إعجابهم الشديد بطرق الإعداد التقليدية والطعم الفريد للحنيذ، إنه حدثٌ يجمع بين العروض الحية الشيقة، والتجارب التفاعلية الغنية، والتعريف العميق بالموروث الغذائي العسيري، مما يؤكد قدرة الأكلات التراثية على التحول إلى منتجٍ ثقافي وسياحي مستدام وجذاب للعالم أجمع.
جامعة الملك خالد تدعم الموروث الغذائي العسيري
أكدت الدكتورة رهام مشاط، عميدة كلية السياحة والضيافة بجامعة الملك خالد، أن محافظة محايل، بما تتميز به من تنوع غذائي غني، تُشكل بيئة تعليمية تطبيقية ثرية، تساهم بفاعلية في نقل تجارب الطهي المحلي إلى آفاق أوسع، وفي تقديم النكهات الأصيلة للزوار بأسلوب احترافي رفيع يعكس عمق وثراء الموروث الغذائي للمنطقة بشكل عام.
التعليم التطبيقي: طلاب جامعة الملك خالد في مهرجان الحنيذ
وأوضحت الدكتورة مشاط أن مشاركة طلاب وطالبات الكلية في مهرجان الحنيذ الثاني تُعد تجسيدًا حيًا لنموذج التعليم التطبيقي المتكامل، حيث يتم ربط المخرجات الأكاديمية بالممارسة الميدانية، مما يُسهم في تنمية مهارات الطلبة في مجالات الطهي، الضيافة، والتواصل السياحي بفعالية، وهذا بدوره يعزز جاهزيتهم لسوق العمل المستقبلي، ويساعد في تقديم التراث الغذائي العسيري بصيغة معاصرة تحافظ على أصالته وتواكب أحدث المتغيرات العالمية.
الحنيذ: رحلة من التقاليد إلى العالمية
بين دفء الجمر المتوهج وبرودة أغصان السلع الرطبة، يواصل الحنيذ رحلته العريقة من ذاكرة البيوت الدافئة إلى منصات المهرجانات العالمية، محافظًا على روحه الأولى وطابعه الأصيل، ومؤكدًا أن المطبخ العسيري يمتلك القدرة الفريدة على مخاطبة العالم أجمع بلغة التذوق الرفيع والتميز المطلق.
قد يهمّك أيضاً
