
نعرض لكم زوارنا الكرام أهم وأحدث الأخبار في المقال الآتي:
كيف قرأت السعودية اللحظة الإيرانية؟ – جريدة هرم مصر, اليوم الثلاثاء 20 يناير 2026 04:13 صباحاً
لطالما سيطرت على الخطاب السياسي العربي لسنوات طويلة، ولا سيما بين من يصفون أنفسهم بـ “ثوريي المرحلة”، مقولة مفادها أن المملكة العربية السعودية تتحرك ضمن حدود ترسمها واشنطن، وتُستدعى فقط لتنفيذ سياسات كبرى لا تملك رفضا تجاهها، وهي سردية سادت خلال أيام الحرب العربية الباردة، وروجت لها بعض الأوساط وبيعَت لجمهور واسع دون تمحيص.
كشف زيف المقولة: رؤية غريغوري جوس
لكن هذه الفكرة تم دحضها بقوة من قبل الباحث الأمريكي المتخصص، غريغوري جوس، الذي أصدر كتابًا في عام 2011 بعنوان “القوة والشرعية في المملكة العربية السعودية”، فكتاب جوس نفى تلك المقولة، مؤكدًا أنها أغفلت حقيقة جوهرية في السياسة الدولية تتمثل في أن المصالح ليست ثابتة، وأن التحالفات ليست عقود إذعان، وأن الدول التي تُحسن إدارة شؤونها تعرف جيدًا متى تقول “نعم” ومتى تقول “لا” في القضايا الدولية.
الموقف السعودي من إيران: قرار سيادي وأخلاقي
من هذا المنطلق، يمكن فهم الموقف السعودي من القضايا المحورية في العالم والشرق الأوسط، فعلى سبيل المثال، وحين توالت الدعوات الأمريكية لشن حرب على إيران، وخصوصًا في ذروة الاضطرابات الداخلية التي يشهدها المجتمع الإيراني مؤخرًا، وقفت السعودية موقفًا لم يكن سياسيًا فحسب، بل اتخذ بُعدًا أخلاقيًا في معارضتها لهذه الفكرة.
لو كانت السعودية تتحرك كتابع، كما ادّعى مروّجو تلك الفكرة، التي تبنتها بعض المنصات التابعة لإيران، لكان من المنطقي أن تنخرط في أجواء التصعيد، أو أن تستغل الأزمة الإيرانية كفرصة استراتيجية لإعادة رسم التوازنات بالقوة، خاصة وأن إيران لم تتوانَ لسنوات طويلة عن زعزعة الأمن الإقليمي تحت شعارات فضفاضة مثل “تصدير الثورة ونصرة المستضعفين”، لكن ما حدث كان مغايرًا تمامًا، فقد اختارت الرياض رفض الحرب، ليس بدافع التعاطف مع النظام الإيراني، بل انطلاقًا من حسابات الدولة العميقة، ومن إدراك واعٍ للتكلفة الباهظة التي تفرضها الصراعات المفتوحة على الإقليم بأكمله.
العلاقة السعودية الأمريكية: تفاهم ومصالح متبادلة
في هذا السياق، يقدم كتاب غريغوري جوس، الصادر عن مطبعة كامبريدج والذي تُرجم لاحقًا إلى العربية، إطارًا تفسيريًا بالغ الأهمية، فهو ينفي القراءة التبسيطية للدولة السعودية، كما أن الكتاب لا ينكر قوة العلاقة الأمريكية-السعودية الوثيقة، بل يقوم بتفكيك الأسطورة التي صورت السعودية كدولة منزوعة الإرادة.
وكما كتب جوس، فإن العلاقة بين الرياض وواشنطن كانت دائمًا علاقة مصالح متبادلة، تتسم بالتفاوض المستمر والتكيّف مع التحولات الدولية، وعندما تتعرض المصالح العربية للخطر، تتخذ السعودية موقفًا معارضًا، كما حدث في حرب عام 1973، المعروفة بحرب قطع النفط، وبالتالي، فعلاقة القطبين ليست مبنية على الأوامر والتنفيذ، بل على التفاهم والتفاوض، وهذا الفهم يفسر لماذا لا ترى السعودية نفسها ملزمة بالانسجام التلقائي مع أي خيار عسكري ضد إيران، خاصة عندما ترى أن نتائجه ستكون كارثية على المنطقة.
رفض الحرب: إدراك لواقع دولي متغير
إن رفض الحرب على إيران يعكس إدراكًا سعوديًا عميقًا لتبدل موازين القوة العالمية، ولطبيعة المرحلة الدولية الراهنة، فالعالم لم يعد يُدار بمنطق القطبية الواحدة، ولم يعد الاندفاع العسكري أداة ناجعة لتحقيق الاستقرار، وقد أظهرت التجارب القريبة في المنطقة أن إسقاط الدول أسهل بكثير من إعادة بنائها، وأن الفوضى بمجرد أن تبدأ، لا تعترف بالحدود، من هنا، جاء الموقف السعودي، مقرونًا بموقف خليجي موحد، بوصفه قرارًا سياديًا يسعى لتحييد المنطقة عن صدام جديد يمكن أن يدفع الخليج ثمنه باهظًا.
البعد الأخلاقي للموقف السعودي
لكن هذا الموقف لم يكن سياسيًا صرفًا، بل حمل بعدًا أخلاقيًا واضحًا، وهو أمر يندر حضوره في لحظات التوتر القصوى، فالسعودية لم تراهن على انهيار الداخل الإيراني، ولم تستخدم احتجاجات الشارع كأداة ضغط أو ورقة تفاوض، فقد اعتبرت ذلك شأنًا داخليًا يقرره الشعب الإيراني، واختارت أن تفصل بوضوح بين الخلاف مع النظام الإيراني، وبين معاناة المجتمع وحقه في التعبير عن تلك المعاناة، وهذا تمييز دقيق يعكس فهمًا متقدمًا لمسؤولية الدولة في محيطها الإقليمي، فالدول التي تحترم نفسها لا تبني استراتيجياتها على آلام الآخرين، ولا تعتبر الفوضى مدخلًا لتحقيق المكاسب.
فرصة لطهران: دعوة لإعادة التفكير
بهذا المعنى، منحت السعودية النظام الإيراني فرصة سياسية وأخلاقية في آن واحد، فرصة لإعادة التفكير في العلاقة مع الجوار، التي أربكها النظام الإيراني لمدة طويلة، ولإدراك أن رفض الحرب لا يعني قبول سلوكيات السياسات الإيرانية القائمة في الجوار، ولا غض الطرف عن التدخل في الشؤون العربية، بل هو رسالة واضحة مفادها أن باب التحول إلى دولة طبيعية ومسؤولة لا يزال مفتوحًا، وأن الوقت قد حان لهجر أفكار الثورة التي لم تجلب لإيران إلا الخراب.
الآثار الإيجابية على أمن الخليج
على مستوى أمن الخليج، كان لهذا الخيار أثر ملموس، فقد ساهم في خفض منسوب التوتر في المنطقة، وأبعد شبح الاستقطاب الداخلي، كما حال دون تحويل الممرات البحرية وأسواق الطاقة الحيوية إلى ساحات مواجهة وصراع مفتوح.
التحدي الأكبر: هل تستوعب طهران الرسالة؟
يبقى السؤال موجهًا إلى طهران، هل ستلتقط هذه الإشارة؟ فالأخلاق السياسية التي حكمت الموقف السعودي لا تعني التساهل مع سياسات التمدد أو استخدام الوكلاء لزعزعة الأمن وتعطيل التنمية، هي أخلاق منضبطة، ترى أن البراغماتية حين تنفصل عن القيم، تتحول إلى براغماتية هدّامة، تُراكم الأزمات بدلًا من حلّها، وقد أثبتت التجربة أن التدخل في شؤون الدول العربية لم ينتج نفوذًا مستقرًا لإيران، أو مكاسب سياسية حقيقية، بل أفضى إلى نزاعات مفتوحة واستنزاف طويل الأمد للموارد الإيرانية قبل كل شيء، تلك الموارد التي يحتاجها المجتمع الإيراني بشدة في التنمية الداخلية.
الموقف السعودي من إيران يوضح أن الرياض تتحرك وفق منطق الدولة الحديثة، الذي يوازن بين المصالح، ويستوعب التكلفة، ويضع حدودًا أخلاقية لما يمكن فعله حتى في ذروة الخلاف، وبذلك، قدمت السعودية فرصة حقيقية لإعادة ضبط السلوك الإقليمي، السؤال هنا ليس لماذا عارضت السعودية الحرب، بل ما إذا كان الطرف الآخر، أي إيران، قادرًا على فهم هذه الرسالة، وتغيير سياساته في المنطقة، فالخطأ الأكبر الذي يمكن أن يقع فيه النظام الإيراني هو أن يفسر “فترة التأني” على أنها انتصار للسردية الإيرانية، كما يروج البعض، وبالتالي تستمر في المسار نفسه، وهنا تكمن الكارثة الحقيقية!
