السعودية تقترب من القطب الهندي الأوروبي أكثر من إسرائيل

السعودية تقترب من القطب الهندي الأوروبي أكثر من إسرائيل

قُلبت ساعة الرمل وبدأ العد التنازلي لشكل جديد من الاقتصاد الدولي، وبرغم أن التغيير قد ينطلق -ظاهرياً- من إيران، إلا أنها ليست محوره، بالتأكيد ليست هدفه.

ينتظر العالم نتائج المفاوضات الإيرانية الأمريكية، إما ضربة أمريكية على إيران قد تكون بداية لحرب لا أحد يعرف عواقبها، أو اتفاقية اقتصادية مفاجئة ستكون بداية لتغيير أسس الاقتصاد الدولي بين الشرق والغرب، في جميع الحالات، ستتغير قواعد ما بعد الحرب العالمية الثانية، وفي هذه اللحظة المصيرية، يزور رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي تل أبيب.

ما يظهر علنًا وللإعلام هو زيارة بين صديقين، وتجديد اتفاقيات عسكرية واقتصادية وتكنولوجية، لكن هناك ما هو أعمق من ذلك، بحسب الإعلام الإسرائيلي، فالهند تدرس خيار الانضمام إلى تحالف تل أبيب وأبو ظبي مقابل تحالف السعودية ومصر، ورغم محاولة العناوين العبرية تصوير هذا التحالف كـ”أمر واقع”، إلا أنه لا يبدو أن الهند قد حسمت قرارها بعد، ويبدو أنه لا يزال قيد الدراسة، خاصةً إذا علمنا حجم الاقتصاد المتبادل بينها وبين السعودية وما يعنيه التلاعب به.

لكي نفهم ما يحدث الآن، يجب علينا أن نتذكر ثلاث كلمات: الطاقة، الممرات البحرية، التكنولوجيا العسكرية، وعلينا التوقف عند مجموعة أحداث سبقت زيارة مودي لتل أبيب: أولاً، تمديد العملية “أسبيدس” لعام آخر من قبل الاتحاد الأوروبي، لحماية حرية الملاحة في البحر الأحمر. ثانياً، توقيع “أم الصفقات” بين الاتحاد الأوروبي والهند، وعلاقتها بالممر الهندو -أوروبي. ثالثاً، سيطرة السعودية على النزاع في اليمن وإخراج الإمارات، ورابعاً، اعتراف إسرائيل بـ”صوماليلاند”.

في التقرير التالي، يحاول رصيف22 ربط هذه الخيوط معاً.

اتفاق إسرائيلي – إماراتي… فهل تثلثه الهند؟

أضحت المبادئ التي تستند إليها نيودلهي وتل أبيب في تأطير علاقتهما واضحة، حيث يتجلى التعاون الأمني في ربط القدرات الدفاعية والتكنولوجية بحماية خطوط التجارة البحرية، وفي سياق زيارة مودي تحديداً، وقّع الطرفان اتفاقاً أمنياً موسّعاً يشمل مجالات الدفاع، الذكاء الاصطناعي، الأمن السيبراني، ومشتريات تكنولوجية نوعية لم تكن متاحة سابقاً وفقاً لتصريحات السفير الهندي في تل أبيب.

تزداد أهمية توقيت زيارة رئيس الوزراء الهندي إلى تل أبيب في ظل ظروف دولية حساسة، وعلى الرغم من جهود الإعلام الإسرائيلي لتصوير الزيارة كأنها تتويج لانضمام الهند للحلف الإماراتي الإسرائيلي ضد الحلف السعودي المصري، إلا أن ما يحدث أكبر من ذلك بكثير، وليس محصوراً في البحر الأحمر.

ذكرت صحيفة (Indian Defence News) في افتتاحيتها حول الزيارة: “توقيت زيارة مودي يتسم بأهمية خاصة، بعد زيارة الرئيس الإماراتي الأخيرة إلى الهند، التي أسفرت عن إطلاق اتفاق دفاعي ثنائي بارز، وقد جاء هذا الاتفاق في مقابل اتفاق دفاعي سعودي-باكستاني وارتفاع التوترات بين أبوظبي والرياض، مما يبرز تحالفات مرنة ومتغيرة في المنطقة”.

لقراءة المشهد بأقل كلمات ممكنة، نقف على مفترق طرق ونشاهد التالي:

تجديد الاتفاقية الأمنية الهندية-الإسرائيلية بالأمس، وتوقيع اتفاق الدفاع الهندي-الإماراتي من جهة، وسرعة تمركز الدولتين في ميناء بربرة في “صوماليلاند”.

توقيع الاتفاقية السعودية-الباكستانية للتعاون في المجال النووي، والتحالف مع مصر لإغلاق أي مطامع في البحر الأحمر.

هكذا تتشكل صورة التقارب الاستراتيجي بين نيودلهي وأبوظبي وتل أبيب، وبحسب الصحيفة، مثلما حفزت الاتفاقيات الإبراهيمية تقارباً أكبر على الصعيد الاستراتيجي والاقتصادي والتكنولوجي بين الإمارات وإسرائيل، فقد عززت الهند علاقاتها مع كلا البلدين عبر عدة قطاعات، مما أسفر عن شبكة من الشراكات المترابطة.

لكن ما يجعل هذه التطورات أكثر جدية اليوم من أي وقت مضى هو أن الهند باتت تربط أمنها القومي مباشرةً بمأمن الملاحة البحرية في البحر الأحمر، لا سيما بعد سلسلة من التعطيلات في حركة الشحن نتيجة هجمات الحوثيين المدعومين من إيران، التي زادت من المخاطر في الممرات البحرية.

لذا، تنظر كل من الهند وإسرائيل، ومعهما الإمارات، إلى البحر الأحمر كفرصة استثمارية لا بد أن يكون لهذا الحلف الجديد حصة فيه، وبالأخص بعدما استأنفت شركة الشحن الدانمركية الأكبر في العالم، Maersk، في يناير/كانون الثاني 2026 تشغيل خطة استخدامها لممر قناة السويس والبحر الأحمر، عقب تحسن نسبي في الاستقرار الأمني، وهي خطوة تشير إلى أن الحركة التجارية العالمية تنتظر عودة الثقة في هذا الطريق الاستراتيجي.

وأثيوبيا و”صوماليلاند” في الحلف أيضاً

هذا التحالف يقابله تحالف آخر، وأيضاً ساحة المعركة هي البحر الأحمر، حيث نجد السعودية ومصر، وربما تركيا، على بوابات البحر الأحمر، السعودية التي نجحت في إخراج الإمارات من اليمن في يوم واحد، والتي استطاعت بالتعاون مع مصر وتركيا الدفع نحو إنهاء الحرب في غزة، واستعادة الملاحة في البحر الأحمر، وتقف مع مصر وتركيا ضد أي توسع إسرائيلي في البحر الأحمر.

لكن المسألة الأمنية لم تعد بسيطة كما في العقود السابقة، ولا مقتصرة على هجمات أو تهديدات على سفن عابرة؛ بل أصبحت مرتبطة بهيكلة جديدة للقدرات الدفاعية والتقنية وسباق التكنولوجيا العسكرية والاستخباراتية، وهو ما تبرع فيه كل من الهند وإسرائيل، فكيف إذا اجتمعتا؟

يتجه العالم نحو تعددية قطبية، لذا تعمل الهند والاتحاد الأوروبي على تثبيت نفسيهما كقطب جديد لا ينتمي بالكامل لا إلى المعسكر الأميركي ولا الصيني.

بعد تجديد الاتفاق الأمني وتوسيعه، باتت العلاقات الهندية–الإسرائيلية تشمل الآن التزامات أوسع في الدفاع الجوي، تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي في المراقبة البحرية، الطائرات المسيّرة، وأنظمة الدفاع الصاروخي المتقدمة التي يمكن استخدامها لحماية المصالح البحرية الحيوية، وهذا يعكس أن الأزمة البحرية لم تعد مطمعاً ثانوياً؛ بل مصلحة مباشرة للاقتصاد الهندي إذا ما تعطلت الملاحة المنتظمة عبر القناة والبحر الأحمر.

لذا، فإن هذه العلاقة المتعمقة بين نيودلهي وتل أبيب تُقرأ كجزء من تحالف كبير يظهر اليوم، متعدد الأطراف والمصالح، ويضم إلى جانب إسرائيل والإمارات إثيوبيا و”صوماليلاند” في القرن الأفريقي، مما يعكس رغبة هؤلاء اللاعبين في إعادة رسم الأمن البحري عند الرأس الجنوبي للبحر الأحمر، ومع هذا لا يمكن القول بأن الهند انضمت بالفعل، ولا يمكن تصديق عناوين الصحف الإسرائيلية بهذه السرعة.

تذكر دراسة بحثية نشرها موقع The Cradle في فبراير/كانون الثاني 2026 أن اعتراف إسرائيل بما يسمى “جمهورية صوماليلاند” أشعل الصراع بسرعة في البحر الأحمر، وبحسبها، تتلاقى الطموحات الهندية مع التحرك الإسرائيلي الأخير بشأن “صوماليلاند” عبر محاور عدة متكاملة.

إذ يمثل رفع مستوى العلاقات بين نيودلهي وأديس أبابا إلى شراكة استراتيجية خلال زيارة مودي في ديسمبر/كانون الأول 2025 الركيزة القارية لهذا التحالف، حيث تستفيد إثيوبيا، بصفتها دولة حبيسة ذات كثافة سكانية مرتفعة – نحو 126 مليون نسمة- من الوصول إلى “صوماليلاند” وميناء بربرة كمنفذ سيادي يحررها من القيود الجيبوتية الخاضعة لنفوذ صيني متزايد.

في هذا الإطار، تسعى الهند إلى رفع صادراتها الدفاعية إلى عتبة خمسة مليارات دولار بحلول عام 2026، ويشكل القرن الأفريقي سوقاً رئيسياً لهذه الصادرات، حيث توفر “صوماليلاند” بيئة مناسبة لاختبار المنظومات الدفاعية الهندية والتقنيات الإسرائيلية المشتركة وبيعها.

وفي الوقت نفسه، تساهم الهند في بناء القدرات البشرية وتطوير البنية التحتية المادية في “صوماليلاند”، بينما تضيف إسرائيل طبقاتها التكنولوجية المتقدمة فوق هذه القواعد، لتتشكل شبكة تحالفية تجمع بين النفوذ القاري الهندي والتفوق التكنولوجي الإسرائيلي، مما يعزز من قوة المشروع الاستراتيجي في القرن الإفريقي ويمنحه بعداً إقليمياً يمتد إلى الممرات البحرية الحيوية.

تقول الدراسة: “تعتبر الهند شرق القارة الإفريقية، ولا سيما القرن الإفريقي، امتداداً طبيعياً لمجالها الحيوي ضمن نطاق المحيط الهندي، وتتبنى نيودلهي مبادرة (الأمن والنمو للجميع في الإقليم) (SAGAR)، التي أطلقها رئيس الوزراء ناريندرا مودي عام 2015، وتضع الهند في موقع مهيمن يقود التعاون مع الدول المتشاطئة على المحيط الهندي، كما تروّج لمنظومة (ماهاساغار) (MAHASAGAR)، التي تشدد على أن أمن المحيط ينبغي أن تُديره دول المنطقة نفسها، مع إنشاء منصة تعاون تجمع قادة القوات البحرية وخفر السواحل، بما يضمن سرعة التنسيق العسكري وتبادل بيانات الرادار وأنظمة المراقبة”.

وترى الدراسة أن من شأن هاتين العقيدتين أن تموضعا الهند كمزوّد أمن رئيسي لهذا المربع المائي الواسع، وأن تمنحاها ما يشبه حق النقض الجيوسياسي؛ إذ تصبح التجارة الدولية، بما فيها الصينية والتركية، مرهونة بمستوى الأمن الذي توفره الهند وحلفاؤها -مثل إسرائيل والإمارات- في هذه الممرات، في مقابل تراجع الحاجة إلى تدخل مباشر من الولايات المتحدة وروسيا لضمان المرور الآمن على الطريق الرابط بين آسيا وأفريقيا وأوروبا.

ومع هذا فالهند لن تُغضب السعودية!

لكن الأمور ليست بالأبيض والأسود في عالم السياسة والاقتصاد، فإنشاء التحالفات ليس قراراً مستعجلاً يحدث خلال حفل توقيع رسمي، إنه أقرب إلى اختبار ثقة يتحرك ببطء شديد وبالمليمترات، وهذه التحركات الهندية، رغم ما تظهر عليه من قوة، ورغم الاحتفالات الإعلامية بها، تأتي في وقت يشهد فيه الاحتقان في العلاقات الإقليمية تصاعداً واضحاً، ويتطلب موازنة دقيقة.

إذا نجحت “أم الصفقات” التي وُقعت قبل شهر بين الهند والاتحاد الأوروبي في إنجاز اتفاقية تجارة حرة شاملة وربطها بالممر الهندو -أوروبي، سنكون أمام نقطة تحول عالمية تعيد رسم خرائط النفوذ التجاري وسلاسل التوريد، وتسرّع ولادة قطب ثالث يوازن حضور الولايات المتحدة والصين.

هنا يدخل الاقتصاد الخليجي بكل ثقله ليكبح جماح الحماسة الهندية، فرغم مصالحها المشتركة مع إسرائيل ورغبتها في التعاون معها في السيطرة على ممرات البحر الأحمر، لكن مصالحها مع مجلس التعاون، وعلى رأسه السعودية، أكبر -حتى الآن-، فالمملكة تضم أكبر جالية هندية في العالم، حيث تُشكل حوالات المغتربين في الخليج الهندية الأكبر عالمياً، وقد سجّلت التحويلات المالية التي أرسلها الهنود خلال السنة المالية 2024-2025 مستوى قياسياً بلغ 135.46 مليار دولار وفقاً لبيانات البنك الاحتياطي الهندي.

كما ترتبط دول الخليج بعلاقات تاريخية وطيدة مع الهند تشمل مختلف المجالات، لا سيما الاقتصاد وسوق العمل، إذ تشكّل الجاليات الهندية ركيزة أساسية في اقتصادات هذه الدول، وخلال زيارته الأخيرة إلى نيودلهي في قمة مجموعة العشرين، أكد ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان أن للجالية الهندية دوراً كبيراً في النمو الاقتصادي في المملكة، حيث تمثل نحو 7 في المئة من التعداد السكاني، مشدداً على أنهم جزء من المملكة ويتم التعامل معهم ورعايتهم كالمواطنين، كما أبرمت 53 اتفاقية ومذكرة تفاهم شملت قطاعات استثمارية وعقارية وسياحية وتجارية.

لكن، ورغم كون العلاقات الهندية -السعودية متينة وتاريخية، إلا أنها لم تتطور إلى تعاون أمني بحري مباشر كما في حالة إسرائيل، وليس السبب في التقارب الإسرائيلي، بل في التقارب الخليجي الباكستاني بالأساس.

أما على المستوى الإيراني، فللغرابة، ترتبط نيودلهي مع طهران بعدد من المشاريع الضخمة في الاقتصاد أو في المشاريع البنيوية المشتركة، مثل ميناء شاباهار في إيران، الذي يوفر طريقاً تجارياً بديلاً للوصول إلى أفغانستان وآسيا الوسطى، ورغم أن الهند كررت عبر وزارة خارجيتها مطالبتها لمواطنيها بمغادرة إيران بسبب توتر العلاقات الإقليمية في الأيام التي سبقت زيارة مودي إلى إسرائيل، إلا أن هذا لا ينفي رغبتها في الحفاظ على العلاقات التقليدية مع طهران، كإحدى دول الجوار، ورغم عدم وجود حدود برية مباشرة، إلا أن الدولتين ترتبطان بحدود بحرية استراتيجية عبر خليج عُمان.

أمر آخر يجعل الهند متأنية هنا أيضاً، فحتى اللحظة، لا تزال المفاوضات الأمريكية – الإيرانية مستمرة، وإن نجحت، فسيكون لإيران حضور مباشر على عدد من الممرات، بما في ذلك الممر الهندو – أوروبي، وطريق التنمية الصيني، لذا فلن تستعجل نيودلهي في إعلان عداء بالاتفاقيات لم تعلنه الولايات المتحدة بالصواريخ.

ما هو أكبر من الحلف… القطب الهندي-أوروبي الجديد

من اسمه فقط، يمكن أن نفهم من هو المستفيد الأكبر من الممر الهندو -أوروبي، الذي بدأت منه كل هذه الصراعات، والتي ستنتهي عند الانتهاء منه وقد رُسمت موازين القوى من جديد في الشرق والغرب، ولعل اسمه يعد توضيحاً للحلف الحقيقي الذي يتكون اليوم، أو القطب الثالث كما تسميه الصحف الهندية.

الهند والاتحاد الأوروبي لا ينتظران تشكيل القطب تلقائياً، بل يتحركان بدبلوماسية مكوكية، حيث تكثف بروكسل الشراكات مع الخليج من جهة، وتوسّع نيودلهي علاقاتها مع إسرائيل والإمارات في القرن الإفريقي من جهة أخرى.

فقبل يوم واحد فقط من زيارة رئيس وزراء الهند لإسرائيل، أعلن الاتحاد الأوروبي عن تمديد العملية المعروفة باسم “أسبيدس” في تعزيز حماية حرية الملاحة في البحر الأحمر حتى فبراير/شباط 2027، التي تهدف لحماية السفن، ودعم الاستقرار على طول طرق الملاحة البحرية الرئيسية، بما يتوافق مع قواعد القانون الدولي، ورغم أن هذا القرار يبدو “شكلياً”، إلا أنه يحمل رسالتين مهمتين، أولاهما تصريحه للاتحاد الأوروبي بأن البحر الأحمر محيد عسكرياً ولو مؤقتاً، والثانية أنه موجود في كافة الممرات البحرية والبرية التي تُوصل في النهاية “إليهم”.

قبل أسبوع، زار الرئيس الفرنسي ماكرون الهند في زيارة طويلة امتدت لثلاثة أيام، تم توقيع مجموعة ضخمة من الصفقات واتفاقيات التفاهم خلال هذه الزيارة، شملت التجارة، التسليح، التبادل التكنولوجي، والذكاء الاصطناعي.

والأهم مما سبق، هو ما حدث قبل شهر واحد، وتحديداً في 28 يناير/كانون الثاني 2026، حيث أعلنت الهند والاتحاد الأوروبي عن اتفاقية تجارة حرة ضخمة سميت إعلاميًا بـ “أمّ الصفقات”، والتي تشكل أكبر سوق عالمية تضم نحو ملياري نسمة، تشمل هذه الاتفاقية إزالة أو خفض الرسوم الجمركية على معظم السلع المتبادلة، وفتح أسواق للسيارات الأوروبية، والسلع كثيفة العمالة، والخدمات، وتأشيرات الطلاب، مع تقديم دعم فني وتقني للهند لتبني معايير الاستدامة الخضراء، وتمثل هذه الصفقة خطوة غير مسبوقة في تاريخ العلاقات التجارية للهند مع أوروبا.

الصفقة ليست اقتصادية فحسب، بل تضم أيضاً شقاً دفاعياً وأمنياً، إذ تم الاتفاق على توطين التكنولوجيا العسكرية في الهند مع شركات أوروبية، وتعزيز التنسيق البحري لمراقبة الممرات المائية الحيوية في المحيط الهندي، بالإضافة إلى تبادل المعلومات الاستخباراتية، والأمن السيبراني، ومكافحة الإرهاب، والهدف من هذا البعد الاستراتيجي هو تقليل اعتماد الهند العسكري على روسيا والولايات المتحدة، ومواجهة التمدد العسكري الصيني.

والممر الهندو-أوروبي هنا ليس مجرد طريق بري، بل يشمل الطرق الاقتصادية، التجارية والبحرية بين الهند وأوروبا، بما في ذلك الممرات البحرية التي تنقل النفط والسلع الأساسية، وتجعل هذه الاتفاقية الهند شريكاً رئيسياً في سلاسل الإمداد الأوروبية، وتأمين التجارة بين آسيا وأوروبا بعيداً عن الضغوط الأميركية والصينية، مما قد يعكس ولادة قطب اقتصادي ودفاعي جديد في قلب الممر الهندو-أوروبي.

صحيح أن الدافع الأكبر وراء هذه الصفقة هو توتر العلاقات الهندية–الأميركية بسبب الرسوم الجمركية التي فرضتها إدارة ترامب على السلع الهندية، والتهديدات الأمريكية برفع الرسوم على الاتحاد الأوروبي، لكن هذا لا ينفي في الوقت ذاته سعي الاتحاد الأوروبي لتقليل اعتماده على الولايات المتحدة والصين، بينما تبحث الهند عن أسواق جديدة لتصدير السلع كثيفة العمالة والصناعات الثقيلة، وتحقيق استقلالها التكنولوجي والدفاعي، وبذلك لا يمكن النظر إلى تحرك الهند باتجاه تل أبيب كخيار وحيد، بل كدراسة خيارات للمستقبل واستكشاف احتمالات جديدة.

معهد كارنيغي يطرح هذه النظرية بوضوح في دراسة تنبؤية له نشرت منذ عام مع رفع الرئيس الأمريكي للرسوم على الواردات من الهند والاتحاد الأوروبي، حيث نرى أننا لسنا أمام تحالفات صغيرة في الشرق الأوسط، بل أمام قطب ثالث يتشكل بين الهند والاتحاد الأوروبي في مواجهة الصين والولايات المتحدة، وقد يكون هذا القطب عابراً للتحالفات الإقليمية، ولعل التحركات الدبلوماسية أو العسكرية الوقائية الهندية والأوروبية في البحر الأحمر لا تعني إلا محاولات استمالة أو كسب تأييد لهذا الحلف من لاعبين رئيسيين في المنطقة، مثل السعودية ومصر وإسرائيل والإمارات.

الاتفاق النووي السعودي مع باكستان هو العائق أمام انفتاح نيودلهي على الرياض ضمن القطب الجديد، لكن في الجهة المقابلة، فإن أكبر رقم حوالات مغتربين في العالم يخرج من السعودية للهند، فكيف سيُدار تضارب المصالح العملاقة هنا؟

في هذه الدراسة نجد الفقرة التالية: “يجادل كثيرون بأن الاتحاد الأوروبي والهند لديهما القدرة معاً على احتلال أقطاب مستقلة في عالم متعدد الأقطاب ناشئ، وحقيقة أنهما لم يصبحا أقطاباً بعد تعود لأسباب مثيرة للاهتمام ومختلفة، بينما يُعتبر الاتحاد الأوروبي بلا جدال عملاقاً اقتصادياً، إلا أنه يفتقر إلى النفوذ الجيوسياسي المماثل، أما الهند، فعلى الرغم من أنها قد تجد نفسها في موقع استراتيجي جيوسياسي مناسب، إلا أن أمامها طريق طويل قبل أن تكتسب وزناً اقتصادياً حقيقياً”، وتوقع الدراسة في نهاية المطاف، أن يساهم هذا النقص أو التكامل في بروز تعاون استراتيجي بين الاتحاد الأوروبي والهند كقطب جديد في عالم متعدد الأقطاب.

من الأقرب للقطب الجديد… السعودية أم إسرائيل؟

لذلك، وضمن هذه الفرضية، تبرز العلاقات بين الاتحاد الأوروبي والسعودية، فهناك ما هو أعمق من مجرد شراكات تجارية، حيث يرى الاتحاد الأوروبي في السعودية شريكاً في مجالات الطاقة، التنويع الاقتصادي، والاستثمار المتقدم بعيداً عن الاعتماد التقليدي على الولايات المتحدة.

وبالفعل، كانت بروكسل قد صرّحت للرياض بطموحها في شراكة استراتيجية شاملة مع الرياض تشمل العمل على تسهيلات الطاقة النظيفة مثل الهيدروجين الأخضر، استثمارات صناعية، وتعاوناً تجارياً أوسع، مما يعكس رغبة أوروبية في توسيع القطب الثالث ليشمل دولاً قوية في الشرق الأوسط ضمن مشروع اقتصادي-جيوسياسي أوسع، جزء منه فقط هو الممر الهندو أوروبي (IMEC).

في نفس السياق، وعلى الجانب الآخر، تسعى الهند -الطرف الثاني في هذا القطب- إلى تثبيت روابط استراتيجية مع إسرائيل عبر نفس المشروع، بما يضمن استمرارية الاتصال بين آسيا وأوروبا مروراً عبر شبه الجزيرة العربية، الأردن، وصولًا إلى إسرائيل، دون قيود أمريكية أو صينية، مما يعكس توجه نيودلهي نحو تحالفات متنوعة متعددة الشركاء، تزيد من نفوذها في المنطقة والعالم.

في هذا السياق، تظهر السعودية كمرشح أقرب من إسرائيل للانخراط في شبكة تحالفية تمتزج فيها المصالح الاقتصادية مع الاعتبارات الجغرافية والجيوسياسية، خصوصاً عبر تركيا المتسقة مع أوروبا والهند في مجالات الطاقة والاستثمار، بينما تبقى علاقة إسرائيل بشكل أكبر مرتبطة بالأسس الأميركية التقليدية والتهديدات الأمنية الإقليمية، مما يجعل الرياض أكثر جاذبية في رؤية مشروع تحالف القطب الهندي-الأوروبي.

رصيف22 منظمة غير ربحية، الأموال التي نجمعها من مانحي رصيف، والتمويل المؤسسي، تذهب مباشرة لدعم عملنا الصحافي، نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولبقاء صفحاتنا متاحة لكل القراء، انقر هنا.