الـ3 دولارات في مواجهة الـ20: شرارة “حرب الأسعار” الكبرى تلوح في أفق الذكاء الاصطناعي

الـ3 دولارات في مواجهة الـ20: شرارة “حرب الأسعار” الكبرى تلوح في أفق الذكاء الاصطناعي

تشهد تكلفة استخدام الذكاء الاصطناعي تراجعاً ملحوظاً بوتيرة سريعة، في مؤشر قد يمهد لمرحلة جديدة من المنافسة السعرية الشرسة، ففي الصين، تطرح إحدى الشركات اشتراكاً مبدئياً في نماذجها بقرابة 3 دولارات شهرياً فقط، وهي خطوة تبدو أقرب إلى إعلان حرب أسعار في سوق تهيمن عليه خطط أمريكية تبدأ من 20 دولاراً شهرياً، بينما تصل عقود المؤسسات الكبرى فيه إلى ملايين الدولارات سنوياً.

تُعدّ “زيبو” (Zhipu AI) من أبرز المنافسين الصينيين لنماذج الشركات الأمريكية، إذ تعمل على تطوير نماذج لغوية ضخمة تستهدف منافسة الأنظمة الغربية في قدراتها.

ورغم أن القيمة السوقية للشركة الصينية، بعد إدراجها في هونغ كونغ وقفزة سهمها بنحو 300%، تبلغ نحو 29 مليار دولار، فإنها لا تزال بعيدة عن تقييمات عمالقة القطاع؛ فمثلاً، تُقدّر قيمة “أوبن إيه آي” (OpenAI) بنحو 500 مليار دولار في السوق الخاصة، بينما تصل قيمة “أنثروبيك” (Anthropic) إلى حوالي 350 مليار دولار في أحدث جولات التمويل.

رهانات الأسواق

تعكس هذه الفجوة في الأسعار افتراضاً سائداً في الأسواق مفاده أن شركات الذكاء الاصطناعي الأمريكية ستواصل الهيمنة على العائدات العالمية، مستفيدةً من علاقاتها المؤسسية العميقة، وسهولة وصولها إلى رأس المال، ودعم مزودي الحوسبة السحابية الكبار لها.

كما تلعب الجيوسياسة دوراً حاسماً، إذ تحد مخاوف أمن البيانات والقيود التنظيمية من انتشار النماذج الصينية في أسواق مثل الولايات المتحدة وأوروبا، خصوصاً في المشاريع الحكومية، لكن هذا التصور قد لا يكون ثابتاً إلى الأبد، بحسب الصحيفة.

فجوة تقنية تتقلص

وفق مؤشرات الأداء الصناعية، اقتربت النماذج الصينية الرائدة من نظيراتها الأمريكية في مجالات مهمة مثل الاستدلال، البرمجة، والمعرفة العامة، وفي بعض الاختبارات، مثل حل المسائل الرياضية، تقلص الفارق إلى أقل من 10%، وذلك بحسب مؤشر الذكاء الاصطناعي الصادر عن جامعة ستانفورد لعام 2025.

كما تسهم الصين بحصة كبيرة من الأبحاث العالمية في مجال التعلم الآلي، مما يعزز قدرتها على اللحاق تقنياً، ويبقى التحدي الأكبر أمام بكين هو الوصول إلى الرقائق المتقدمة، في ظل قيود التصدير الأمريكية، غير أن شركات مثل “زيبو” اعتمدت على رقائق “Ascend” من “هواوي”، ما يشير إلى أن هذه القيود لم تُقصِ الصين من السباق، بل دفعتها إلى البحث عن بدائل محلية وتحسينات برمجية لتعويض أي فجوة في العتاد.

عندما يتحول التفوق إلى سباق أسعار

إذا لم تعد التكنولوجيا الفارق الحاسم، فقد يتحول التنافس إلى عامل السعر، فعلى مستوى المطورين، يمكننا مقارنة أسعار بعض النماذج الرائدة:

الشركةالنموذجسعر مليون رمز إدخالسعر مليون رمز إخراج
أوبن إيه آي (OpenAI)نموذج رائد (مثلاً GPT-4)1.75 دولار14 دولاراً
زيبو (Zhipu)GLM-50.58 دولار2.60 دولار

تشير هذه الفروقات إلى أن عملاء الشركات الكبرى قد لا يتأثرون بسرعة بهذه الأسعار المنخفضة، لكن مع تزايد استخدام الذكاء الاصطناعي في جوانب الحياة اليومية، سيصبح السعر عاملاً حاسماً للغاية بالنسبة للطلاب، والمطورين المستقلين، والشركات الناشئة، وكذلك المؤسسات الصغيرة التي تولي اهتماماً بالغاً لإدارة التكاليف بدقة.

سوق بـ700 مليار دولار.. من يقتنص الحصة؟

تُقدّر إحدى شركات الأبحاث العالمية أن الإنفاق الاستهلاكي على الذكاء الاصطناعي التوليدي قد يقترب من 700 مليار دولار بحلول عام 2030، وهذا الرقم لا يشمل عائدات البنية التحتية السحابية، وفي حال استحوذت الأسواق الأكثر تقبّلًا للنماذج الصينية على ثلث هذا الطلب، وحصلت “زيبو” على 10% فقط من تلك الحصة، فقد تتجاوز إيراداتها 23 مليار دولار بحلول نهاية العقد، ما قد يبرر تقييماً أعلى بكثير من مستواها الحالي.

في الوقت الراهن، يعتمد جزء كبير من التفاؤل بأسهم شركات الذكاء الاصطناعي الأمريكية على افتراض أن العملاء مستعدون لدفع المزيد مقابل تحسينات تدريجية في الأداء، ولكن مع تقلص الفجوات التقنية، قد يعاد تعريف قيمة الذكاء الاصطناعي قريباً وفق معيار مختلف وقاعدة حاكمة مفادها أن “النموذج الأرخص الذي يقدم أداءً جيداً سيكون كافياً”، وسيبقى السؤال الفيصل: من يستطيع تقديم أفضل نموذج بأقل سعر.