منذ أن بلغت منافسات كأس أمم إفريقيا، المقامة في المغرب، دور ثمن النهائي، شهد التعاطي الإعلامي مع المنتخب المغربي تحولاً جذريًا عن ما كان عليه في دور المجموعات، فقد سجلت تغطية عدد من المنابر الإعلامية الأجنبية، تغييرًا لافتًا في النبرة والمضمون، إذ انتقلت من المتابعة التقنية والنتائجية إلى خطاب مشحون بالتشكيك، واضعًا اسم المغرب في صميم نقاش الانحياز التحكيمي.
مصدر الحملة الإعلامية: شمال إفريقيا
لقد انطلقت هذه الحملة أساسًا من منابر إعلامية في بلدان تشارك منتخباتها في “الكان”، لا سيما تلك القريبة جغرافيًا من المغرب في شمال إفريقيا، وعلى رأسها مصر والجزائر، ثم انضمت إليها بعض الأصوات التونسية، خاصة بعد إقصاء منتخب “نسور قرطاج” من المنافسة.
محور الاتهامات: محاباة التحكيم والنفوذ المزعوم
تمحور جوهر الهجوم حول اتهامات متكررة بمحاباة التحكيم للمنتخب المغربي، وبتسخير “نفوذ مزعوم” داخل الاتحاد الإفريقي لكرة القدم لخدمة مصالح البلد المنظم، في سردية أعادت إلى الواجهة اسم رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، فوزي لقجع، باعتباره – وفقًا لهذه المنابر – متحكمًا في دواليب “الكاف”.
ذروة التصعيد: لقطة مباراة المغرب وتنزانيا
بلغ التصعيد الإعلامي ذروته بعد اللقطة الجدلية التي شهدتها الدقائق الأخيرة من مباراة المغرب وتنزانيا في دور ثمن النهائي، حيث وقع احتكاك عادي بين المدافع المغربي آدم ماسينا ولاعب تنزاني سقط داخل منطقة الجزاء، في مشهد فسّره الحكم – وأيده العديد من الخبراء لاحقًا – على أنه لا يستوجب ضربة جزاء.
تحول تقدير تحكيمي إلى “دليل إدانة”
هذه اللقطة، التي لم تخرج عن إطار التقدير التحكيمي المعتاد في كرة القدم، تحولت في بعض البرامج الرياضية المصرية والجزائرية إلى “دليل إدانة”، حيث جرى الترويج لفكرة أن الحكم تعمد عدم احتساب ضربة جزاء خدمة للمنتخب المغربي، متجاهلين زوايا الإعادة المختلفة وسياق اللعب.
توسيع نطاق التشكيك: اتهام مسبق للمنتخب
لم يقتصر النقاش على تحليل الحالة التحكيمية، بل تم توسيعه ليشمل التشكيك المسبق في نزاهة التحكيم في باقي مباريات المغرب، وكأن المنتخب الوطني أصبح، في هذا الخطاب الإعلامي، “مذنبًا” سلفًا، وعليه أن يثبت براءته في كل مواجهة.
ضغط إعلامي ونفسي مستمر
منذ تلك اللقطة، خصصت برامج رياضية في مصر والجزائر حيزًا شبه يومي للحديث عن “خطر انحياز الحكام للمغرب” بعد كل حديث عن حظوظ المنتخب المغربي في هذه المنافسة، و”تأثير البلد المنظم”، في خطاب يُغذّي الشكوك أكثر مما يبحث عن الحقيقة، ويُؤسس لضغط نفسي وإعلامي متواصل.
ازدواجية المعايير في تناول الأخطاء التحكيمية
المفارقة اللافتة أن هذا “الحرص” على العدالة التحكيمية لم يظهر بالزخم نفسه حين تعلق الأمر بأخطاء واضحة في مباريات منتخبي مصر والجزائر نفسيهما، حيث شهدت البطولة حالات تحكيمية مثيرة للجدل، لم تُحتسب فيها ضربات جزاء مستحقة لخصومهما.
مثال صارخ على التناقض: مباراة مصر وبنين
يبقى المثال الأبرز في هذا الصدد هو المباراة الأخيرة للمنتخب المصري أمام بنين، حيث أغفل الحكم احتساب ضربة جزاء واضحة للمنتخب البنيني، دون أن تحظى الواقعة بنفس الحملة الإعلامية، لا في القاهرة ولا في الجزائر، وهو ما يكشف ازدواجية المعايير بشكل واضح في التعاطي مع التحكيم.
تحدي شرعية الانتصارات المغربية
في هذا السياق، يبدو أن المنتخب المغربي لا يواجه فقط خصومه داخل المستطيل الأخضر، بل يواجه أيضًا خطابًا إعلاميًا يسعى إلى نزع الشرعية عن أي انتصار يحققه، وربطه مسبقًا بعوامل خارجية، في محاولة للتقليل من قيمة العمل التقني والذهني الذي يقدمه أسود الأطلس.
أسباب تصاعد الحملة الإعلامية
هذه الحملة الإعلامية، في جوهرها، ليست جديدة، لكنها تكتسب اليوم زخمًا أكبر بحكم كون المغرب بلدًا منظمًا للبطولة، وبحكم الرهانات الكبيرة المعلقة على هذه النسخة من “الكان”، سواء رياضيًا أو رمزيًا داخل القارة الإفريقية، لا سيما أن المغرب مُقبل أيضًا على احتضان كأس العالم في عام 2030.
مواجهة الحملة بالهدوء والثقة
ويرى الكثير من المهتمين بالشأن الكروي المغربي، كما ذكرت “أقرأ نيوز 24″، أن المغرب الذي اختار أن يواجه القارة بتنظيم محكم ومنتخب تنافسي، مطالب اليوم بأن يواجه هذه الحرب الإعلامية بالهدوء والثقة، لأن البطولات لا تُحسم في ضجيج الاستوديوهات، بل تُحسم في الملعب، وهو ما يجب أن يُركز عليه المنتخب المغربي والقائمون على الكرة المغربية، الآن أكثر من أي وقت مضى.
