«بناء جسور الغد» المركز الإسلامي العالمي للتسامح والسلام يطلق رؤية استشرافية لتعزيز السلام والوئام الإنساني

«بناء جسور الغد» المركز الإسلامي العالمي للتسامح والسلام يطلق رؤية استشرافية لتعزيز السلام والوئام الإنساني

أوضح الدكتور عبدالحميد متولي، رئيس المركز الإسلامي العالمي للتسامح والسلام في البرازيل، أن الضلال عن سبيل الله لا يقتصر على مسار واحد، ولا هو طريق مستقيم ينحرف فجأة، بل يتشعب إلى مسالك شتى، تختلف في أشكالها وتتفق في مقاصدها النهائية.

أنماط الانحراف عن طريق الحق

وفي هذا السياق، بيّن الدكتور متولي أن الذين ضلوا عن طريق الله ينقسمون إلى صنفين رئيسيين، مستندًا إلى ما تعلمه من أستاذه الدكتور نوح الغزالي في كلية الدعوة الإسلامية بجامعة الأزهر الشريف بالقاهرة. فبعد التدقيق في أحوال الناس، نجد أن معظم من انحرفوا عن سبيل الله قد سلكوا أحد وجهين لا ثالث لهما.

1. ضلال الغرور الفكري

يتمثل النمط الأول في رجلٍ أُعجب بذكائه الفطري، وثقته المفرطة في قدرات عقله، فظنّ أن الفهم وحده يكفي للهداية، وأن التفكير المجرد يغنيه عن نور الوحي الإلهي. انطلق هذا الرجل في فضاء الفكر الواسع بلا ميزان يضبطه أو ضابط يوجهه، مقدماً السؤال على التسليم، وجاعلاً الشكّ منهجاً، ومؤلهاً للتحليل العقلي. لقد أصبح حاله كالفراش الذي يرى النور فيحسبه هداية، فيقتحم عمقه بلا بصيرة، فتكون النيران المشتعلة عاقبته المحتومة.

ويُضيف الدكتور متولي موضحاً أن العقل، حين ينفصل عن الوحي الإلهي، يفقد قدرته على أن يكون نوراً هادياً، بل قد يتحول إلى نار محرقة تودي بصاحبها. فكل فكرٍ لا يقود إلى معرفة الله وإلى طريقه المستقيم قد يصبح سبباً للتيه العظيم والضلال المبين.

2. ضلال الجهل والتقليد الأعمى

أما الصنف الثاني، فهو رجلٌ لم يُرزق سعةً في الفهم، فلم يُعمِل عقله، ولم يسعَ لطلب العلم، أو اكتساب البصيرة. لذلك، أصبح تابعاً لا متبوعاً، ومقلداً أعمى لا مُدرِكاً، يسير حيث تسير الجموع ويقف حيث تقف، دون أن يملك القدرة على التمييز بين الحق والباطل، أو بين الهدى والضلال. إن حاله كحال السائمة التي تتحرك بلا غاية واضحة، وتسير بلا مقصد محدد، وهذا يمثل ضلال الجهل، في مقابل ضلال الغرور الذي يميز النمط الأول.

وتكمن المفارقة العجيبة في أن كلا هذين الرجلين قد وقع في الضلال، على الرغم من أن أحدهما وصل إلى أقصى درجات الذكاء، بينما ظل الآخر في درك الغفلة والجهل. هذا يؤكد أن الذكاء وحده لا يمثل طريق النجاة، كما أن تعطيل العقل ليس سبيل الأمان. بل إن النجاة الحقيقية تكمن في امتلاك عقلٍ متواضعٍ للوحي الإلهي، وفهمٍ منضبطٍ بالهداية الربانية، وقلبٍ يدرك حدوده، فيميّز بين ما يمكن إدراكه بالعقل وما يجب التسليم به إيماناً.

وفي ختام حديثه، أشار الدكتور متولي إلى أن الله سبحانه وتعالى لم يخلق العقل ليُستغنى به عن الوحي، ولم يُنزل الوحي ليُلغى به العقل. بل جعلهما معاً السبيل القويم للهداية: فعقلٌ يفهم ويستوعب، ووحيٌ يهدي ويرشد، وقلبٌ يخشع ويُسلِّم. فمن جعل العقل إلهاً يعبده ضلّ عن الطريق، ومن عطّله وأهمله ضلّ كذلك، أما من جعله أداةً للعبودية الخالصة واليقين الراسخ، فقد اهتدى بذلك إلى سواء السبيل.