
التعليم في مصر في مرحلة دقيقة، تتطلب شجاعة وجرأة في الاعتراف بالتحديات قبل اتخاذ أي قرارات، فما نكتبه هنا ليس للنقد أو التوجيه، بل هو تعبير نابع من القلب بهدف الإصلاح، فنحن نرى طلبة يعانون من عنف وضغوط، لأنهم لا يجدون ما يوجه طاقاتهم ومواهبهم، كما يوجد معلمون مرهقون يتحملون أعباء تزيد عن طاقاتهم، ونظام يحتاج إلى إعادة تفهمه وتجربته قبل أن تُجرى عليه تغييرات.
الهرم الطبيعي لإصلاح التعليم
أساس إصلاح التعليم، من وجهة نظري، يجب أن يبدأ من القاعدة وليس من القمة، فالتغييرات دون النظر إلى القاعدة ستكون محكومة بالفشل، والدعائم الأساسية للإصلاح تشمل الإدارة، والتنظيم، والمعلم، والطالب، وهؤلاء هم الذين يمكنهم إنجاح أو إفشال أي جهود للإصلاح، لذا يجب أن تُعتبر تحسين ظروف المعلمين وتدريبهم ضرورة ملحة، وليس ترفًا، ويجب أن يكون هناك تدريب مستمر ومهني للمعلمين، لتحسين حالتهم العامة، وأجورهم بما يضمن كرامتهم، فبيئة ملائمة للمعلم تسهم في تحسين أدائه بشكل ملحوظ.
أي خطوة تُتخذ لزيادة راتب المعلمين، حتى وإن كانت بسيطة، تُعتبر بداية نحو الطريق الصحيح وتحمل دلالة على الاعتراف بالمشكلة والرغبة في الحل، فبداية إيجابية في هذا السياق تحدث فرقًا كبيرًا، والمعلم الذي يشعر أن احتياجاته ملباة، سيكون أداؤه بالتأكيد مختلفًا عن ذلك الذي يعاني من ضغوط.
بعد المعلم، ننتقل إلى قضية الكثافة الطلابية، وهي مسألة معروفة وتعمل الوزارة على علاجها، ولكن ما زلنا ننتظر المزيد من الجهود لتحقيق التوازن.
الآن، نأتي إلى النقطة الحساسة، المناهج، فالحديث عن إصلاح التعليم دائمًا ما يبدأ بتطوير المناهج، لكن السؤال الذي يبرز هو: ما العلاقة بين التطوير والتكدس؟، فقد شهدت السنوات الماضية حشوًا معرفيًا غير مُجدي، مما أثقل كاهل الطالب وأسرته، دون مراعاة لقدرته على الاستيعاب.
من غير المنطقي أن تُدرج المعلومات بشكل سطحي في الكتب ونفترض أن الطالب سيفهمها، فقد يُحرم الطالب من القدرة على الإنجاز والتعلم الذاتي، والحل الوحيد الذي يجدونه هو الحفظ، وهو ما يجعلهم يتجاوزون الامتحانات، ثم ينسون المواد بعد فترة قصيرة، ومع ضغط المعلم، نجد أن الدروس الخصوصية أصبحت مراكز للحفظ فقط.
لكن الإصلاح يجب أن يكون شاملاً، فلا يكفي تعديل المناهج أو زيادة المحتوى، بل يتطلب رؤية جديدة تبدأ من الإنسان، بدءًا من استعداد المعلم، وكفاءة الإدارة في تنفيذ القرارات مصحوبة بمتابعة صارمة، وكل ذلك قبل الحديث عن الكتب والمناهج، فالتعليم لا يحتاج فقط إلى قرارات، بل إلى إرادة حقيقية وعمل جماعي من جميع العاملين في المنظومة.
إذا تم إصلاح القاعدة، فإن الهرم سيكون قويًا وثابتًا، أما إذا استمرينا في قلب الهرم وانتظار النتائج، فسنبقى ندور في حلقة مفرغة ونتساءل عن سبب عدم تحقيق التغيير الحقيقي، فنجاح البدايات هو الذي يحدد نتائج النهايات.
