
في خطوة غير تقليدية في عالم التكنولوجيا، قامت “ألفابت” – الشركة الأم لـ “جوجل” – بإصدار سندات تمتد آجال استحقاقها حتى عام 2126، أي بعد 100 عام، وذلك ضمن حزمة اقتراض متعددة الآجال، التي استقطبت نحو 32 مليار دولار خلال أقل من 24 ساعة.
مدى الثقة في المستقبل
رغم أن الأموال التي تم جمعها تعكس شهية المستثمرين وثقتهم في الشركة، إلا أنها تطرح سؤالًا محوريًا حول كيفية إخضاع شركة لم يتجاوز عمرها الثلاثة عقود للثقة من المستثمرين طوال قرن كامل؟، وقد يتساءل بعضهم عن عدم رغبتهم في تجميد أموالهم لمدة 100 عام، وكيف يمكن ضمان استردادها بعد كل هذه الفترة، ومن سيتولى استردادها – هل سيكون الأحفاد؟
خطوات “جوجل”
– أصدرت “ألفابت” سندات متعددة الآجال بالجنيه الإسترليني والفرنك السويسري، بعد أن أسست في البداية لدين يُقدر بـ 20 مليار دولار في السوق الأمريكية، قبل أن تتوسع لاحقًا إلى الأسواق الأوروبية والبريطانية.
– اللافت أن الشريحة الإسترلينية تضمنت سندًا نادرًا لأجل 100 عام، وهي المرة الأولى التي تصدر فيها شركة تكنولوجيا سندًا بهذا الأجل منذ أن أصدرت “موتورولا” سنداتها في عام 1997، قبل انفجار فقاعة الإنترنت.
– لكن لماذا تم إصدار هذه السندات في إنجلترا تحديدًا؟ لأن هناك قاعدة واسعة من المستثمرين المهتمين بالسندات طويلة الأجل، حيث لاقى الطرح اهتمامًا كبيرًا، وجمع طلبات شراء تقارب عشرة أضعاف الكمية المعروضة للبيع والتي تبلغ مليار جنيه إسترليني (1.4 مليار دولار).
– أتاح هذا الطلب القوي للشركة تسعير السند عند 1.2% فوق عوائد الديون الحكومية البريطانية لأجل 10 سنوات، مما كان أقل من التوقعات الأولية التي تراوحت بين 1.45% و1.5% فوق عوائد الديون العشرية.
أسباب هذه الخطوة
– أقدمت “جوجل” على هذه الخطوة في سياق توسعها في الاقتراض، للاستفادة من كافة شرائح السندات لتمويل نفقاتها على بنية الذكاء الاصطناعي، حيث باعت سندات لأجل 50 عامًا في نوفمبر، مما أدى لارتفاع ديون “ألفابت” طويلة الأجل إلى 46.5 مليار دولار بنهاية 2025.
– يأتي ذلك في ظل تعزيز الشركة إنفاقها على الذكاء الاصطناعي، حيث خططت لإنفاق ما يصل إلى 185 مليار دولار هذا العام، أغلبها موجه للبنية التحتية للتكنولوجيا الجديدة ومراكز البيانات، أي ما يقارب ضعف إجمالي العام الماضي.
– “ألفابت” ليست وحدها في هذا السباق، إذ يُتوقع أن تنفق شركات التكنولوجيا الأربع الكبرى (“ألفابت”، و”مايكروسوفت”، و”ميتا”، و”أمازون”) ما لا يقل عن 630 مليار دولار هذا العام.
هل هناك سابقة؟
– رغم ندرة السندات لأجل 100 عام في سوق الدين، فإن “ألفابت” ليست الأولى التي تتبع هذا النهج، ففي قطاع التكنولوجيا كانت “موتورولا” آخر شركة كبرى تصدر سندًا لأجل 100 عام في 1997، وقبلها بعام أصدرت “آي بي إم” سندًا مماثلًا.
– في السوق البريطانية، يتميز هذا النوع من الإصدارات مؤسسات ذات طابع خاص، مثل جامعة أكسفورد، وشركة المرافق “إي دي إف”، بينما اتجهت بعض الحكومات، مثل الأرجنتين والنمسا، إلى إصدار ديون بآجال مماثلة خلال فترات انخفاض الفائدة.
– وبالتالي، فإن سندات “ألفابت” تضعها ضمن نادٍ محدود من المصدرين، حيث صرح “مايكل كولينز”، كبير مسؤولي الاستثمار لدى “برودنشال”، بأن سندات القرن تميل لأن تصبح قطعًا أثرية نادرة للغاية.
من هم المعنيون؟
– قد لا تكون هذه السندات جذابة للمستثمرين الأفراد، بل هي مُوجهة للمؤسسات ذات الالتزامات طويلة الأجل، مثل صناديق التقاعد وشركات التأمين، التي تحتاج أصولًا تُدر عليها عائدًا يمتد لعقود من أجل تمويل الالتزامات المستقبلية.
– هذه الجهات لا تعتبر السند بمثابة رهان على بقاء الشركة 100 عام، بل كأداة دخل ثابت يمكن الاحتفاظ بها على المدى الطويل أو تداولها لاحقًا، مع الاستفادة من العائد المرتفع في الوقت الحالي.
– أما الأفراد، فعلى الرغم من وجود بعض المهتمين، فإن اهتمامهم يكون محدودًا بسبب مخاطر تغير أسعار الفائدة على مدى زمني طويل جدًا، إضافة إلى عدم اليقين المرتبط بالتطورات التكنولوجية على مدى الأجيال المتعاقبة، حتى المهتمون منهم قد يكون لديهم غرض يتعلق بالتركات وانتقال الثروة.
صدى الفقاعة
– هذا الطرح أعاد المستثمرين إلى أواخر التسعينيات، حين قامت شركات مثل “والت ديزني”، و”كوكاكولا”، و”موتورولا” بإطلاق سندات في السنوات التي سبقت انفجار فقاعة “دوت كوم”.
– حيث أوضح مدير استثمار في أدوات الدخل الثابت أن السوق عادة ما تكون عند الذروة عند إصدار سندات لأجل 100 عام، ما يشير إلى احتمال تراجع السوق في الفترة المقبلة.
– الاختلاف الجوهري اليوم هو أن عمالقة التكنولوجيا الحاليين يحققون أرباحًا وتدفقات نقدية ضخمة، ولا يعتمدون على وعود مستقبلية فحسب، مما يمنحهم قاعدة تمويل أكثر صلابة مقارنةً بأواخر القرن الماضي.
معنى الإقبال القوي
– في النهاية، لا يعكس إصدار سندات القرن مجرد الأجل القياسي، بل يمثل تحولًا أعمق في طبيعة شركات التكنولوجيا الكبرى، فـ “ألفابت” لا تراهن فقط على قدرتها على سداد التزامات تمتد لقرن، بل تعكس إيمانها بأنها ستظل لاعبًا محوريًا في المسرح التكنولوجي خلال هذه الفترة.
– الطلب القوي على الطرح يبرز أن شريحة واسعة من المستثمرين ترى أن الشركة تملك “بنية تحتية تكنولوجية متكاملة طويلة الأجل”، وليست مجرد عمليات تكنولوجيا سريعة النمو.
– ومع ذلك، يُذكرنا التاريخ دائمًا أن الريادة في قطاع التكنولوجيا ليست ثابتة، بل تتسم بالتقلب السريع، فشركات فقاعة الإنترنت أغلبها إما اندثرت أو فقدت بريقها، كما أن شركات الهواتف في أوائل القرن الحالي واجهت مصيرًا مشابهًا، مما يؤكد أن ما يبدو حاليًا مستقرًا قد يتغير خلال دورة اقتصادية قصيرة.
المصادر: أقرأ نيوز 24
