«تخصصات الجامعات: مفتاح مستقبلك المهني»

«تخصصات الجامعات: مفتاح مستقبلك المهني»

الجامعات المتخصصة تمثل فكرة ثورية، ومع بداية مرحلة جديدة في التعليم العالي، تشكل نهاية للنموذج التقليدي الذي أصبح عاجزًا عن تلبية الاحتياجات المتزايدة لسوق العمل، حيث لم يعد هناك مكان للخريجين غير المؤهلين، ولا يُنتظر من حاملي الشهادات بدون مهارات حقيقية. على الرغم من ذلك، ظل التعليم الجامعي لفترة طويلة أسير النموذج القديم، بينما اتسعت الفجوة بين المحتوى الأكاديمي ومتطلبات السوق.

لذا، فإن الاتجاه نحو إنشاء جامعات متخصصة يعتبر تصحيحًا ضروريًا لهذا المسار، وليس مجرد تطوير تقليدي، فهذه الجامعات تهدف إلى تعزيز القيمة، وليست زيادة الأعداد، فهي تُبنى لتلبية احتياجات قطاعات محددة مثل “نقل، غذاء، طاقة، سياحة، صناعة” وغيرها، بهدف إنتاج خريجين يعرفون كيف يستخدمون معارفهم بشكل فعّال.

على ضوء ذلك، فإن التحول نحو الجامعات المتخصصة يُظهر وعيًا متقدمًا بدور التعليم كأداة اقتصادية، وليس كعبء على الدولة. وقد عبر الدكتور أيمن عاشور، وزير التعليم العالي والبحث العلمي، عن هذه الفلسفة بوضوح عندما ربط الجامعات المتخصصة بسوق العمل، والبرامج التطبيقية، والشراكات مع الوزارات المعنية والجامعات الدولية، وهي مقاربة طال انتظارها، لأنها تنتقل بالطلاب من مجرد المتلقين إلى الفاعلين في المجتمع.

حان وقت الجامعات المتخصصة

في عام 2021، كتبت عددًا من المقالات تحت عنوان “هل حان وقت الجامعات المتخصصة”، كونها ضرورة وطنية، وليس ترفًا أكاديميًا، واليوم نرى تلك الفكرة تنتقل من حيز الطرح إلى سياسة دولة معلنة، وهذا الانتقال يحدث فقط عندما تتلاقى الفكرة الجادة مع الإرادة السياسية.

الأهم من ذلك، أن هذا المسار لا ينفصل عن المبادرة الرئاسية “تحالف وتنمية” التي أطلقتها الوزارة في مارس 2023، والتي تهدف إلى ربط البحث العلمي بالصناعة لتحقيق التنمية الشاملة، حيث تم تخصيص مليار جنيه لمسابقة كبرى لدعم هذه المبادرة، فعندما يتحول البحث إلى منتجات، والمعمل إلى خط إنتاج، تتغير معادلة التنمية كليًا. وقد حققنا إنجازات تشمل سيارات كهربائية محلية، وأجهزة طبية معتمدة دوليًا، وزراعات جديدة، وأدوية مثل خام السيليمازين لعلاج أمراض الكبد، وتصنيع أجهزة تنفس صناعي، مما يثبت أن البحث العلمي يمكن أن يكون محركًا حقيقيًا للاقتصاد، إذا تم توجيهه بوعي وارتبط بخطط الدولة، وهذا ما تحقق على أرض الواقع.

وأخيرًا

مع اقتراب التعديل الوزاري المرتقب، تزداد أهمية الاستمرار في هذا المسار الإصلاحي في التعليم العالي والبحث العلمي، كونه أحد الملفات الاستراتيجية التي لا تحتمل الإرجاع أو الارتباك، فالتعليم مشروع طويل الأمد، لا يقاس بعمر حكومة، بل بقدرته على الاستمرار وتحقيق التراكم، والرهان الحقيقي في المرحلة المقبلة هو استكمال ما بدأ والبناء على السياسات التي أثبتت نجاحها، فمستقبل الدولة لا يُدار بالقرارات المؤقتة، بل بالرؤى البعيدة.