
في مفارقة درامية تتناسب بشكل كبير مع أجواء السياسة في واشنطن، قام الرئيس “دونالد ترامب”، الذي لم يتوقف يومًا عن المطالبة بأسعار فائدة صفرية وسيولة نقدية هائلة، بتعيين رجل اشتهر بتحذيراته من “المال السهل”.
نحن نشهد حالة من الارتباك الواضح: حيث تم تعيين “كيفن وارش”، الذي غادر الاحتياطي الفيدرالي غاضبًا في 2011 احتجاجًا على سياسات التيسير الكمي، لتولي رئاسة الجهاز الذي يطبع النقود، وهذا يشكل تباينًا بين رئيس يسعى لضخ السيولة وتحفيز الأسواق بأي وسيلة، ومرشح يعتبر التضخم خطرًا لا يُغتفر.
اليوم، تتصارع الأسواق بين تاريخ “الصقر” الذي يراقب التضخم، وواقع “المرشح” الذي يسعى لإرضاء البيت الأبيض، في لحظة فاصلة قد تعيد تشكيل النظام المالي العالمي، فهل هي عودة إلى رشد اقتصادي لـ “وارش”، أم مناورة سياسية من “ترامب”؟
خيار ترامب
أعلن “ترامب” يوم الجمعة رسميًا ترشيح “وارش” لرئاسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي، ليخلف “جيروم باول” الذي تنتهي ولايته في مايو، وهو قرار يمثل ذروة عملية بدأت منذ الصيف الماضي، حيث واجهت سياسات “باول” انتقادات لاذعة ومستدامة من “ترامب” منذ توليه المنصب في عام 2018.
أعظم رئيس
وصف “ترامب” مرشحه “وارش” في منشور له على منصة “تروث سوشيال” بأنه “سيكون أحد أعظم رؤساء الفيدرالي، وربما الأفضل”، مؤكدًا على معرفته الطويلة به وثقته في أنه لن يخذله أبدًا، ليكون هذا العلامة النهائية في سباق كان يضم في البداية 11 مرشحًا قبل أن يتقلص إلى أربعة، ليحسم “ترامب” القرار لصالح “وارش”.
أصغر قائد
عُرف “وارش” كأصغر عضو في مجلس محافظي الفيدرالي عندما عُين في المنصب وهو في الخامسة والثلاثين من عمره، وشغل هذا المنصب من عام 2006 حتى 2011، كما أنه عمل في القطاع المصرفي الاستثماري في قسم الاندماج والاستحواذ في “مورجان ستانلي”، وتولى منصب المساعد الخاص للرئيس للسياسة الاقتصادية في إدارة “جورج بوش” الابن.
خبرة عالمية
خلال فترة ولايته السابقة في الفيدرالي، كان “وارش” جزءًا من التواصل بين البنك المركزي ووول ستريت خلال الأزمة المالية العالمية، وساهم في وضع استجابة الفيدرالي للأزمة، كما عمل كممثل عن الفيدرالي في مجموعة العشرين.
عودة الصقر
يرتبط “وارش” في الأوساط الاقتصادية بلقب “الصقر” النقدي، حيث يميل تاريخيًا إلى السياسات المتشددة التي تعطي الأولوية للسيطرة على التضخم بدلاً من تحفيز النمو الاقتصادي، وقد تجلى ذلك في استقالته المبكرة من مجلس المحافظين في فبراير 2011، والتي اعتُبرت بمثابة احتجاج صامت ضد سياسة التيسير الكمي التي اعتمدها الفيدرالي آنذاك.
موازين القوى
يأتي ترشيح “وارش” في وقت يواجه فيه الفيدرالي ضغوطًا سياسية غير مسبوقة، حيث شنّت الإدارة الحالية هجومًا على “باول”، وصل إلى مستوى فتح تحقيق جنائي من قبل وزارة العدل بشأن تكاليف تجديد مقر الفيدرالي، ليقوم “باول” بالرد حادًا، مُعتبرًا التحقيق بمثابة “ذريعة” لإجبار الفيدرالي على اتباع أوامر “ترامب” في تيسير السياسة النقدية.
إقصاء باول
دعا “وارش” صراحة في مقابلة أجراها الصيف الماضي إلى “إعادة هيكلة النظام” في الفيدرالي، مشيرًا إلى أن “فقدان المصداقية يكمن في الشاغلين الحاليين”، مما يضعه في موقف خصومة مباشرة مع القيادة الحالية، ورغم أن “باول” قد يستمر في عضوية مجلس المحافظين حتى عام 2028، إلا أن رئاسته للمجلس ستنتهي فعليًا في مايو.
صدمة الأسواق
استقبلت الأسواق المالية أنباء ترشيح “وارش” بحذر وقلق واضحين، حيث تحركت الأصول المالية بناءً على سمعته المالية كصانع سياسات متشدد، ارتفعت مؤشر الدولار، وزادت عوائد سندات الخزانة، في حين انخفضت أسعار الذهب والفضة والبيتكوين.
تناقض الرؤية
حذر “وارش” مرارًا من أن سياسات ضخ السيولة الزائدة وشراء السندات قد تؤدي إلى تشوهات في الأسواق وسوء تخصيص رأس المال، مؤكدًا أن دور الفيدرالي يجب أن يكون توفير أساس نقدي مستقر وليس التحكم في الأسواق بدقة، مما يجعل هذا التاريخ نظريًا في تضاد مع رغبة “ترامب” المعلنة في خفض الفائدة.
شكوك رقمية
يميل “وارش” إلى المواقف المحافظة تجاه العملات المشفرة، حيث صرح سابقًا بأن البيتكوين قد تعمل كمخزن للقيمة مثل الذهب، لكنها تفشل كوحدة حساب مستقرة، واصفًا العملات المشفرة الخاصة بأنها “برمجيات تتظاهر بأنها نقود”، فيرَى أن الأنظمة النقدية يجب أن تُبنى على مؤسسات خاضعة للمساءلة، وهو ما يتعارض مع الرؤى التحررية للتمويل اللامركزي.
مع الابتكار
رغم ذلك، فهو ليس ضد الابتكار المالي بالكامل، حيث يدعم فكرة العملة الرقمية للبنك المركزي الأمريكي لمواجهة المنافسة العالمية، خاصة من الصين، وقد أدى احتمال توليه المنصب إلى ضغوط بيعية في الأسواق، حيث يخشى المستثمرون من بيئة تنظيمية أكثر صرامة ونقص في السيولة التي تتطلبها الأصول الرقمية.
رهان الذكاء
يتبنى “وارش” نظرة متفائلة إلى حد بعيد تجاه الذكاء الاصطناعي وتأثيره على الاقتصاد، حيث يُعتقد أنه سيكون “قوة كبيرة لخفض التضخم” من خلال زيادة الإنتاجية وتعزيز التنافسية الأمريكية، حيث كتب في مقال رأي بصحيفة “وول ستريت جورنال” أن تحسين الإنتاجية يجب أن يؤدي إلى زيادة كبيرة في الأجور الحقيقية، جاعلاً التضخم “اختيارًا”، معتبرًا أن سجل الفيدرالي تحت قيادة “باول” مليء بالقرارات غير الحكيمة.
تهديد الاستقلالية
يثير تعيين “وارش” في ظل الضغوط الكبيرة من إدارة “ترامب” مخاوف جدية بشأن استقلالية الفيدرالي، التي تُعتبر ركيزة أساسية لمصداقية البنك المركزي، حيث طرح مسؤولو الإدارة أفكارًا تتراوح بين تشديد الرقابة البيت الأبيض على الفيدرالي وتغيير طريقة تحديد أسعار الفائدة، بما في ذلك التشاور مع الرئاسة.
سياسة واقتصاد
رغم أن “وارش” وصف استقلالية الفيدرالي في الماضي بأنها “ثمينة”، إلا أنه أشار أيضًا إلى أن الفيدرالي لا ينبغي أن يعمل باستقلال تام في كل شيء، داعيًا إلى تنسيق أوثق مع وزارة الخزانة، بينما يميل الاقتصاديون إلى اعتقاد أن استقلالية البنك المركزي ضرورية لتمكينه من تجاهل العوامل السياسية قصيرة المدى والتركيز على الاستقرار الاقتصادي على المدى الطويل.
شبكة النخبة
يمتلك “وارش” شبكة علاقات قوية ومعقدة تربطه بالنخبة المالية والسياسية، مما يعزز موقعه كمرشح مفضل، فهو متزوج من “جين لودر”، وريثة إمبراطورية “إستي لودر” لمستحضرات التجميل، وابنة “رونالد لودر”، رجل الأعمال الملياردير الذي له مصالح في جرينلاند وقد شجع “ترامب” على محاولة الاستحواذ على الجزيرة، فضلاً عن منصبه في إدارة ثروات “عائلة دوكين”، وهي الشركة الاستثمارية الخاصة بالملياردير “ستانلي دراكنميلر”.
الطريق الوعر
على الرغم من دعم “ترامب”، يواجه “وارش” طريقًا صعبًا نحو الموافقة على ترشيحه في مجلس الشيوخ، حيث أشار السيناتور الجمهوري “توم تيليس” إلى أنه سيعرقل أي مرشحين للفيدرالي حتى انتهاء تحقيق وزارة العدل مع “باول”، ومع أن الأسواق تتوقع خفضين للفائدة هذا العام، إلا أن “وارش” سيضطر، حال توليه المنصب، إلى الموازنة بين تاريخه كصقر يدعو لتقليص الميزانية العمومية، وبين الضغوط السياسية لخفض الفائدة، فهل ينجح؟
المصادر: أقرأ نيوز 24 – بيت جيت – ذا جارديان – سي إن بي سي – تروث سوشيال – كوين ديسك – وان سيف – سكوتسمان جايد – بارونز – فورتشن – معهد هوفر – ماركت ووتش – نيويورك تايمز – ماكاو بيزنس – ياهو فاينانس
