
شهد النشاط الصناعي في الولايات المتحدة انكماشًا ملحوظًا في شهر ديسمبر، متجاوزًا التوقعات ومسجلًا بذلك عشرة أشهر متتالية من التراجع، يعزى ذلك إلى استمرار انخفاض الطلبيات الجديدة وارتفاع تكاليف الإنتاج، إضافة إلى تأثير الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس السابق دونالد ترامب والتي لا تزال تلقي بظلالها على هذا القطاع الحيوي.
مؤشر مديري المشتريات الصناعي: نظرة عن كثب
أعلن معهد إدارة التوريد (ISM) أن مؤشر مديري المشتريات الصناعي (PMI) انخفض إلى 47.9 نقطة في ديسمبر، وهو أدنى مستوى له منذ أكتوبر 2024، مقارنة بـ 48.2 نقطة في نوفمبر، هذا الانخفاض يعكس تراجعًا ملحوظًا في أداء القطاع الصناعي.
تجدر الإشارة إلى أن قراءة المؤشر التي تقل عن 50 تشير إلى انكماش في القطاع الصناعي، الذي يمثل حوالي 10.1% من حجم الاقتصاد الأمريكي، هذا الانكماش يثير المخاوف بشأن مستقبل هذا القطاع وأثره على الاقتصاد بشكل عام.
وعلى الرغم من هذا التراجع، بقي المؤشر فوق مستوى 42.3 نقطة، وهو الحد الذي يعتبره معهد إدارة التوريد متوافقًا على المدى الطويل مع توسع الاقتصاد ككل، فالجدير بالذكر أن الاقتصاد الأمريكي حقق نموًا سنويًا فاق التوقعات، حيث بلغ 4.3% في الربع الثالث.
توقعات النمو والتحولات الاقتصادية في 2026
على الرغم من تأثر نشاط الربع الرابع بإغلاق حكومي قياسي، يتوقع معظم الاقتصاديين تعافي النمو في عام 2026، مدفوعًا بتخفيضات الضرائب التي أقرها ترامب واستمرار الاستثمارات الضخمة في مجال الذكاء الاصطناعي، هذا التعافي المحتمل يمثل بارقة أمل للاقتصاد الأمريكي.
وباستثناء القطاعات التي تستفيد من التطورات في مجال الذكاء الاصطناعي، أضعفت الرسوم الجمركية الشاملة التي فرضها ترامب القطاع الصناعي، على الرغم من أن الهدف المعلن لهذه الرسوم كان تعزيز القاعدة الصناعية الوطنية التي تراجعت على مدى سنوات، هذا التناقض يثير تساؤلات حول فعالية هذه السياسات.
ويرى بعض الاقتصاديين أن استعادة أمجاد التصنيع السابقة تبدو غير ممكنة بسبب المشكلات الهيكلية، بما في ذلك نقص العمالة الماهرة، هذه المشكلات تتطلب حلولًا جذرية لضمان استدامة القطاع الصناعي.
ومن المتوقع أن تتضح الصورة بشكل أكبر في بداية عام 2026، حيث من المقرر أن تبت المحكمة العليا الأمريكية في قانونية الأساس الذي استند إليه ترامب لفرض الرسوم الجمركية، هذا القرار سيكون له تداعيات كبيرة على السياسة التجارية والاقتصاد الأمريكي.
وفقًا لمختبر ميزانية جامعة ييل، رفعت هذه الرسوم متوسط التعريفة الجمركية على السلع المستوردة إلى حوالي 17%، مقارنة بأقل من 3% قبل عودة ترامب إلى البيت الأبيض في يناير الماضي، هذا الارتفاع الكبير في الرسوم الجمركية يؤثر سلبًا على الشركات والمستهلكين.
وخلال جلسات الاستماع في نوفمبر، أبدى قضاة المحكمة العليا شكوكًا حول النهج الذي اتبعه ترامب، مما أثار التكهنات بإمكانية إلغاء الرسوم، هذا الاحتمال قد يؤدي إلى مزيد من الاضطرابات، حيث يُتوقع على نطاق واسع أن يلجأ ترامب إلى تكتيكات تجارية بديلة في حال صدور قرار غير موات.
تراجع الطلبيات الجديدة وارتفاع تكاليف الإنتاج
أما مؤشر الطلبيات الجديدة الصادر عن معهد إدارة التوريد، وهو مؤشر استباقي، فقد استقر تقريبًا في ديسمبر عند 47.7 نقطة مقابل 47.4 نقطة في نوفمبر، مسجلًا الشهر الرابع على التوالي من تراجع الطلب، هذا التراجع المستمر في الطلبيات الجديدة يثير القلق بشأن مستقبل القطاع الصناعي.
وكان هذا المؤشر قد انكمش في 10 من أصل 11 شهرًا الماضية، حيث تراجع الطلب بسبب ارتفاع أسعار بعض السلع نتيجة الرسوم الجمركية، هذا الارتفاع في الأسعار يقلل من القدرة التنافسية للمنتجات الأمريكية.
وفي المقابل، ظلت تكاليف المدخلات على المصانع مرتفعة، مما يساهم في بقاء التضخم فوق هدف 2% الذي حدده الاحتياطي الفيدرالي، واستقر مؤشر الأسعار المدفوعة لدى معهد إدارة التوريد عند 58.5 نقطة، متجاوزًا التوقعات التي كانت تبلغ 57.0 نقطة، هذا الارتفاع في التكاليف يزيد من الضغوط على الشركات الصناعية.
تأثير التراجع على التوظيف في القطاع الصناعي
في ظل هذا الضعف في الطلب، تراجع التوظيف الصناعي للشهر الحادي عشر على التوالي، وهي أطول فترة انكماش في التوظيف وفقًا لمعهد إدارة التوريد منذ حوالي خمس سنوات، هذا التراجع في التوظيف يؤثر سلبًا على العمال والاقتصاد بشكل عام.
كما أظهر مؤشر مكتب إحصاءات العمل الأمريكي أن التوظيف في قطاع التصنيع انخفض في نوفمبر إلى أدنى مستوى له منذ مارس 2022، هذا الانخفاض يعكس التحديات التي تواجه القطاع الصناعي في الولايات المتحدة.
