«ترامب يُشعل مخاوف أوروبا من تحديات أعمق من مسائل الدفاع»

«ترامب يُشعل مخاوف أوروبا من تحديات أعمق من مسائل الدفاع»

لم تعد مخاوف الأوروبيين من سياسات الرئيس الأميركي دونالد ترمب محصورة في حدود الأمن والدفاع أو مزاج البيت الأبيض تجاه الحلف الأطلسي، بل انتقل القلق إلى قلب السيادة الحديثة: المال، والبيانات، والبنى التحتية الرقمية، التي تمر عبرها المدفوعات، وتدار فوقها الخدمات الحكومية، وتُخزَّن فيها الأسرار الصناعية، وتُبنى عليها نماذج الذكاء الاصطناعي.

اعتماد أعمق وأوسع

في ظل تسارع الثورة الجديدة من الحوسبة السحابية إلى الذكاء الاصطناعي والعملات الرقمية، يكتشف الأوروبيون أن اعتمادهم على الشبكات والشركات الأميركية لا يشبه اعتمادهم على سلاح أو صفقة تجارية يمكن استبدالها، بل هو اعتماد بنيوي يطال كل معاملة تقريباً، وكل بريد رسمي، وكل طبقة من طبقات الاقتصاد.

تأثيرات سياسية مقلقة

تُقرأ هذه الهواجس الأوروبية في سياق إشارات سياسية صادمة: حديث متكرر عن الاستحواذ على أراضٍ أو موارد، والتهديد باستخدام القوة أو الرسوم لإجبار الشركاء على خيارات لم تكن تُطرَح بهذه الطريقة سابقاً.

الأدوات الأميركية كضغط

يرى قادة وخبراء في أوروبا أن الخطر يكمن في قدرة واشنطن، عبر تفوقها في التكنولوجيا والتمويل، على تحويل الاعتماد إلى أداة ضغط: من شبكات الدفع وبطاقات الائتمان، إلى منصات البريد والتخزين السحابي، وصولاً إلى العملات المستقرة المشفَّرة، التي يمكن أن تُزاحم العملات الوطنية من دون أن ترفع علماً فوق دبابة.

السيادة النقدية والرقمية

تتقدم فكرة “السيادة النقدية” و”السيادة الرقمية” كمشروع أمن قومي، رغم أنها كانت شعاراً فرنسياً أو نزعة بيروقراطية في بروكسل، وعندما يقول الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، إن على أوروبا أن تلتقط “لحظة غرينلاند” لتقوية استقلالها، فهو لا يتحدث عن سيادة سياسية فقط، بل عن الضغط الاقتصادي في عصر تُدار فيه الاقتصادات عبر سلاسل توريد رقمية وشبكات دفع مملوكة أو مُدارة خارج القارة.

الرقم يعكس حجم المأزق

يكفي رقم واحد لفهم عمق المأزق: أكثر من ثلثي معاملات البطاقات في منطقة اليورو تتم عبر مخططات دفع دولية، بينما تعتمد دول عدة بالكامل على حلول غير أوروبية في المدفوعات الرقمية، وفق بيانات البنك المركزي الأوروبي.

المخاطر من القرارات الأميركية

هذا يُوضح كيف يمكن أن يمتد أثر القرارات الأميركية إلى خارج خصومها التقليديين، كاستهداف أفراد أو هيئات بعقوبات تمنعهم من الحصول على خدمات رقمية ومالية، مما يترك لدى مؤسسات أوروبية تساؤلاً مُقلقاً: ماذا لو وُضعت أوروبا، يوماً ما، على طرف هذا النوع من القرارات، ولو بشكل انتقائي أو رمزي أو تأديبي؟

دعوات لتقليل الاعتماد

في الآونة الأخيرة، تصاعدت الدعوة لسياسات “تقليل الاعتماد” في مجالات تعتبر تقنية محضة: كالحوسبة السحابية، والذكاء الاصطناعي، والاتصالات المشفرة، ومراكز البيانات، بينما يدفع الاتحاد الأوروبي نحو بنية سحابية وحوسبة فائقة وقدرات سيبرانية أوروبية، لكن الطريق مليء بالتحديات: السوق تهيمن عليها شركات أميركية كبرى، والتكاليف ضخمة، والبدائل تحتاج إلى وقت، ومهارات، وبيئة استثمارية لا تُبنى بقرار سياسي.

عدم رغبة واشنطن في تسهيل المسار

لا تبدو واشنطن في وارد تسهيل هذا المسار الأوروبي، ففي خضم الدفع الأوروبي نحو “السيادة الرقمية”، حذَّرت شركة “جوجل” من أن بناء “جدران” قد يضر بتنافسية أوروبا، داعية إلى صيغة “سيادة رقمية منفتحة” قائمة على الشراكات بدلاً من الإقصاء، وبغض النظر عن الدوافع التجارية، فإن الرسالة الأساسية واحدة: أوروبا تريد تقليل الاعتماد، وأميركا لا تريد لهذه التحركات أن تتحول إلى سابقة عالمية تقليص نفوذها.

العوامل السياسية والاجتماعية

هناك أيضاً عامل سياسي – اجتماعي يجعل سؤال “إعادة عقارب الساعة” شديد الصعوبة، فالتوتر عبر الأطلسي لم يعد مجرد اختلاف إدارة مع أخرى، بل أصبح لدى كثير من الأوروبيين قراءة مفادها أن المزاج الأميركي تغيّر، وأن فكرة “أميركا القديمة” أصبحت ضمانة لم تعد موجودة، بحسب رئيس كتلة “حزب الشعب الأوروبي” في البرلمان الأوروبي، مانفريد فيبر.

أهمية إدارة المخاطر

في هذا المناخ، حاول وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، تهدئة الأجواء عشية توجهه إلى “مؤتمر ميونيخ للأمن”، مؤكداً الترابط الوثيق بين ضفتي “الأطلسي” على مستوى التاريخ والمجتمع والمصالح، لكن الأهم أن النقاش يدور في أوروبا حول “إدارة المخاطر”، لا حول “حُسن النيات”: كيف تُحصِّن القارة نفسها إذا كانت أدوات الضغط المحتملة ليست الدبابات، بل التعريفات الجمركية، والمعايير التقنية، وحق الوصول إلى السحابة وشبكات الدفع؟

تعريف العلاقة مع واشنطن مجدداً

في ميونيخ، حيث تتقاطع ملفات الدفاع مع الاقتصاد والتكنولوجيا، بدا واضحاً أن أوروبا تنظر إلى المرحلة كـ “لحظة مفصلية” لإعادة تعريف العلاقة مع واشنطن: أقل عاطفية، أكثر تعاقداً، وأكثر تشكيكاً بركائز ما بعد الحرب الباردة، وفق تغطيات المؤتمر التي تحدَّثت عن تراجع صورة الولايات المتحدة لدى قطاعات من الرأي العام الأوروبي.

إعادة التوازن بدلاً من قطع الارتباط

لذلك، يرى البعض أن ما تستطيع أوروبا فعله واقعياً ليس قطع الارتباط، بل إعادة التوازن: بناء بدائل تدريجية في الدفع، والهوية الرقمية، والسحابة الحكومية، وتوحيد مشتريات الدفاع والتقنية لتقليل الهدر، وتوسيع شراكاتها التجارية مع الكتل والدول التي تبحث عن “نظام قائم على القواعد”، وليس على منطق القوة، كما حصل في الاتفاقات التي عُقدت مع الهند ودول “ميركوسور”.