
ترك برس
ناقش مقال للكاتب والمحلل التركي إسماعيل ياشا، احتمالات تشكيل تحالف دفاعي استراتيجي بين تركيا والسعودية وباكستان، في ظل التحولات العميقة التي تمر بها منطقة الشرق الأوسط عقب حرب غزة، وازدياد التهديدات الإسرائيلية، وتراجع الثقة في الهيمنة الأميركية.
يستعرض الكاتب خلفيات هذا التقارب، بدءًا من تقدم الصناعات الدفاعية التركية، وصولًا إلى المصالح الأمنية السعودية، والقدرات العسكرية الباكستانية، معتبرًا أن هذا التحالف، إن تم الإعلان عنه، سيعيد صياغة موازين القوى في المنطقة، ويخفف من الروايات الإسرائيلية التي تتبنى التطبيع كحلبة أمان وحيدة.
كما يشير الكاتب إلى تراجع “فوبيا تركيا” في الخليج، وعودة منطق التعاون بين الدول الإسلامية الكبرى استنادًا إلى المصالح المشتركة بدلاً من الخلافات الأيديولوجية. فيما يلي نص المقال الذي نشرته صحيفة “عربي21”:
أفادت وسائل الإعلام التركية بأن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، سيزور السعودية ومصر في الثالث والرابع من فبراير/شباط القادم، في ظل التطورات الإقليمية المتسارعة، والأخبار التي تشير إلى رغبة أنقرة في الانضمام إلى التحالف الدفاعي الاستراتيجي بين إسلام آباد والرياض. وقد أشار وزير الإنتاج الدفاعي الباكستاني رضا حياة حراج، إلى أن باكستان والسعودية وتركيا قد أعدت مسودة اتفاق دفاعي بعد مفاوضات استمرت حوالي عام، لافتًا إلى أن الدول الثلاث تجري حاليًا مداولات داخلية بشأنها.
لا توجد حتى الآن تفاصيل حول محتوى مسودة الاتفاق الثلاثي، غير أن الوزير الباكستاني ذكر أنه منفصل عن الاتفاق الثنائي السعودي الباكستاني المعلن العام الماضي، وهو أمر منطقي نظرًا لطبيعة العلاقات بين السعودية وباكستان والتي تختلف عن العلاقات السعودية التركية التي شهدت تدهورًا غير مسبوق قبل عدة سنوات. ومع ذلك، فإن مجرد إمكانية توقيع اتفاقية دفاعية بين ثلاث دول إسلامية مؤثرة قد حظى بترحيب كبير. وقد علق رئيس وزراء قطر الأسبق، الشيخ حمد بن جاسم بن جبر، على إمكانية انضمام تركيا ومصر إلى التحالف السعودي الباكستاني، معتبرًا أن ذلك يمثل خطوة هامة لحماية المنطقة، ومشددًا على أهمية انضمام دول الخليج إلى هذا التحالف.
تفرض التحديات الحالية التي تواجه المنطقة على دولها إعادة التفكير في استراتيجياتها من أجل حماية أمنها القومي بعدة طرق، مثل تعزيز صناعاتها الدفاعية لتقوية جيوشها وتوسيع تحالفاتها لمواجهة محاولات إعادة ترسيم خارطة المنطقة وتقسيم دولها. ومن المعروف أن تركيا حققت في السنوات الأخيرة تقدمًا ملحوظًا في إنتاجها العسكري، خاصة في مجال الطائرات المسيرة، كما تسعى لتعزيز نجاحاتها من خلال التعاون والشراكة مع الدول الإسلامية الصديقة.
إذا اعتمد التحالف بين الدول الإسلامية القوية على أسس صحيحة واستُغل بالشكل المناسب، فإنه سيعود بالنفع على العالم الإسلامي وقضايا المسلمين، خاصة أنه سيساهم في إبطال الروايات الإسرائيلية التي تدعي أن الدول في المنطقة بحاجة إلى التطبيع معها لضمان أمنها القومي. إذ كانت تل أبيب تسعى لجذب الرياض للانضمام إلى الدول التي وقعت معها اتفاقيات أبراهام، بيد أن السعودية بدأت تبحث عن خيارات أخرى لحماية نفسها ومواجهة التحديات الإقليمية، بدلاً من الاعتماد على إسرائيل.
الخطوات الإسرائيلية التي تفاقمت بعد عملية طوفان الأقصى، دفعت دول المنطقة لمراجعة حساباتها، كما أن سماح الولايات المتحدة لإسرائيل بتنفيذ ضربات ضد قطر قد زعزع ثقة حلفاء واشنطن في دعمها. ومع تزايد الصراعات، تتشكل تحالفات إقليمية مثل تحالف إسرائيل مع اليونان وقبرص الجنوبية، وكذلك مع الإمارات والهند. في المقابل، تشهد العلاقات السعودية الإماراتية توترا بسبب الخلافات المتعلقة بالملف اليمني، والتحركات السعودية لكبح طموحات أبو ظبي. مما يؤكد أن الظروف الدولية والمحلية أدت إلى التقرب التركي السعودي.
تتميز العلاقات التركية الباكستانية بالتعاون في عدد من المشاريع الدفاعية، حيث تقوم تركيا ببناء سفن كورفيت للبحرية الباكستانية، بالإضافة إلى تحديث العشرات من طائرات “أف-16” للجيش الباكستاني، وهناك خطط لإنشاء مصنع للطائرات المسيرة في باكستان. كما أبرمت السعودية في عام 2023 صفقة مع تركيا لشراء عدد من طائرات “بيرقدار أكينجي” المسيرة. وتسعى تركيا إلى تضمين باكستان والسعودية في برنامج مقاتلتها الوطنية من الجيل الخامس “كآن”، مما سيعزز من قدرتهما وسيسرع من وتيرة تطويره، كما سيوفر دعمًا ماليًا لتركيا.
إذا تم توقيع التحالف الثلاثي، فسيساهم أيضًا في تعزيز العلاقات التركية السعودية، ويبدد حالة “فوبيا تركيا” التي نال منها النظام السعودي عقب ثورات الربيع العربي، إذ وقفت أنقرة مع مطالب الشعوب. تلك الفوبيا، التي دعمتها الإمارات في السابق وازدادت شدة بعد اغتيال الصحفي جمال خاشقجي، دفعت السعودية للتقارب مع اليونان وقبرص الجنوبية ودعم قوات “قسد” في سوريا. ومع انحسار ترددات الربيع العربي، والجهود الدبلوماسية التي بذلتها أنقرة لإصلاح علاقاتها مع الرياض والقاهرة وأبو ظبي، تضاءلت حالة “فوبيا تركيا” لدى تلك الدول.
إن تحالف تركيا مع السعودية لا يعني تطابق الآراء في جميع المجالات، بل يمكن للبلدين التغاضي عن بعض خلافاتهما لتعزيز التعاون فيما يتفقان عليه بما يحقق مصالحهما المشتركة، وهو ما كان يدعو إليه الزميل الشهيد جمال خاشقجي قبل اغتياله، ولم تُلقَ دعواته حينها آذان صاغية، إلا أن أمنيته قد تتحقق اليوم بعد مرور أكثر من سبع سنوات من رحيله.
