
لا يُعتبر التعليم فاشلاً، بل نحن من نفشل في فهمه، فالأزمة الحقيقية لا تكمن في المناهج أو الامتحانات، بل في الطريقة التي ندير بها المنظومة التعليمية، ونختزل بها رسالة التعليم في رقم على ورقة إجابة، بينما نتجاهل جوهرها الأساسي المتمثل في بناء الإنسان القادر على التفكير والحياة والعمل.
تشير الدراسات التربوية إلى أن الطالب يقضي في المتوسط أكثر من 12 عامًا داخل المنظومة التعليمية، ومع ذلك، يتخرج الكثيرون وهم يفتقرون إلى مهارات أساسية مثل التواصل الفعّال، وإدارة الوقت، والعمل ضمن فريق، وهي مفارقة تطرح سؤالاً جوهرياً: هل نعد أبناءنا للحياة أم لاجتياز الامتحان فقط؟
وظائف المستقبل
تشير تقارير دولية حديثة، من ضمنها تقارير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، إلى أن حوالي 70% من وظائف المستقبل ستعتمد على مهارات التفكير النقدي، والعمل الجماعي، والقدرة على حل المشكلات، في مقابل تراجع الاعتماد على الحفظ والمعرفة النظرية التقليدية، ورغم ذلك، لا يزال مجتمع الطالب وولي الأمر يقيس التفوق برقم، ويضع المجموع في صدارة معايير التقييم.
أصبح الطالب أسيراً للدرجات
على مر العقود، تحول الامتحان من وسيلة للتقويم إلى غاية في حد ذاته، فأصبح الطالب أسيرًا للدرجات، والمعلم مقيدًا بالمنهج، رغم جهود الوزارة في تطويره وإعادته للحياة مرة أخرى، تراجعت مساحة بناء الشخصية وتنمية المهارات، وتشير تقديرات اجتماعية واقتصادية إلى أن الدروس الخصوصية تستحوذ على ما يتراوح بين 35 و40% من دخل الأسرة المتوسطة سنويًا، مما يعكس خللاً واضحًا في العلاقة بين المدرسة والتعلم الحقيقي.
ستظل المدرسة القلب الحقيقي للعملية التعليمية، وأي إصلاح لا يبدأ من داخل الفصل الدراسي يبقى إصلاحًا منقوصًا مهما حسنت نواياه، وهذا ما حدث في السنوات الأخيرة، وتشير تقديرات غير رسمية تتداولها دراسات تربوية محلية، إلى أن الزيارات الميدانية الفعلية لبعض القيادات التعليمية لا تتجاوز مرتين سنويًا في أحسن الأحوال، وغالبًا ما تكون ذات طابع بروتوكولي لا تشخيصي، فتغيب الصورة الحقيقية للواقع، ويظل القرار بعيدًا عن نبض المدرسة.
يؤكد البنك الدولي في تقاريره الحديثة حول التعليم وجود ما يُعرف بـ “فجوة التعلم”، موضحًا أن المشكلة لا تتعلق بعدد سنوات الدراسة بقدر ما تتعلق بجودة ما يتعلمه الطالب، محذرًا من أن ملايين الطلاب حول العالم ينهون مراحل التعليم الأساسية دون إتقان مهارات القراءة والتحليل الأساسية، رغم انتظامهم في الدراسة.
الإصلاح من جذوره
التعليم ليس ملفًا إداريًا يُدار بالتقارير، ولا قضية موسمية ترتبط بمواعيد الامتحانات، بل هو مشروع وطني طويل النفس، يحتاج إلى رؤية شاملة تربط بين المعرفة والحياة، وبين التقييم وبناء الإنسان، وعندما ننجح في تشخيص الأزمة تشخيصًا صحيحًا، يمكننا حينها فقط تحديد المتهم الحقيقي، وبدء الإصلاح من جذوره.
