
ضمن خطوة جديدة في مسار برنامج السكن العمومي المدعّم، أعلنت السلطات العمومية عن جملة من القرارات والتوضيحات المتعلقة بصيغة «عدل 3»، في إطار يسعى إلى الموازنة بين متطلبات الانطلاق الفعلي للمشاريع، ومراعاة القدرة الشرائية والبعد الاجتماعي للمكتتبين، وقد جاءت هذه التطورات لتضع حدا لحالة الترقب التي طبعت المرحلة السابقة، وتفتح الباب أمام انتقال البرنامج من الطابع الإجرائي إلى التجسيد الميداني.
المبادئ الأساسية للإعلان
في هذا الإطار، أعلن وزير السكن والعمران والمدينة محمد طارق بلعريبي أن قيمة الشطر الأول حُددت بـ343 ألف دينار جزائري بالنسبة للسكنات المكونة من ثلاث غرف، و431 ألفًا و500 دينار جزائري للسكنات المكونة من أربع غرف، ويُعتبر هذا الإعلان، وفق المعطيات الرسمية، خطوة أساسية لاستكمال معالم الصيغة السكنية الجديدة، اعتبر أن “عدل 3” يشكل امتدادًا مباشرًا لبرنامجي “عدل 1″ و”عدل 2” اللذين رسّخا حضور السكن العمومي المدعّم في السياسات العمومية خلال السنوات الماضية.
فتح المجال للمشاريع
ويأتي تحديد قيمة الشطر الأول في سياق التحضير للمراحل العملية المقبلة، حيث يُنتظر أن يسمح هذا الإجراء بفتح الباب أمام ضبط رزنامة الدفع وبداية تجسيد المشاريع ميدانيًا، مما يجعل من هذا الإعلان نقطة تحول من مرحلة الانتظار إلى مرحلة الفعل.
تسهيلات جديدة للمكتتبين
وفي تطور لافت، أمر رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون بالسماح للمسجلين في برنامج “عدل 3” بتسديد الشطر الأول على مرحلتين، في إجراء استثنائي يهدف إلى تخفيف العبء المالي عن المكتتبين، وبموجب هذا القرار، الذي تتولى تنفيذه وزارة السكن والعمران عبر الوكالة الوطنية لتحسين السكن وتطويره “عدل”، يتم تقسيم قيمة الشطر الأول إلى دفعتين تمتدان على فترة زمنية تُقدّر بثلاثة أشهر، ويشمل هذا الإجراء سكنات ثلاث غرف وأربع غرف دون أي تمييز بين الصيغ.
أبعاد اجتماعية مهمة
يُنظر إلى هذا التسهيل، الذي جاء مباشرة بعد الإعلان عن القيم المالية للشطر الأول، كخطوة تعكس الطابع الاجتماعي للبرنامج، حيث يهدف إلى منح المسجلين الوقت الكافي لتدبير مستحقاتهم المالية بكل يسر، بما يكرّس الطابع الاجتماعي للبرنامج ويضمن انخراطًا أوسع للمكتتبين في هذه المرحلة الحساسة من المشروع.
مقاربة مالية تراعي واقع الأسر
من زاوية اقتصادية، اعتبر الدكتور في علم الاقتصاد واعلي عرقوب – في تصريح لـ”الأيام نيوز” – أن قرار تقسيم الشطر الأول من سكنات “عدل 3” يأتي في توقيت اقتصادي حساس، حيث تواجه الأسر الجزائرية ضغوطًا متزايدة على مستوى المعيشة نتيجة التضخم وارتفاع الأسعار، وأوضح أن هذه الخطوة تساهم في تخفيف العبء المالي عن الأسر، إذ تتيح لها سداد أقساط السكن على فترات أطول وبشكل أكثر انتظامًا، مما يعزز قدرتها الشرائية ويقلل من الحاجة لتخصيص جزء كبير من مدخولها لسداد دفعة واحدة كبيرة، ومن منظور اقتصادي شامل، يرى أن هذا إجراء يوازن بين دعم السكن وتحقيق استقرار مالي للأسر.
التقليل من المخاطر الاجتماعية
وفي السياق ذاته، شدد الخبير الاقتصادي على أن من زاوية القدرة الشرائية، يمكن اعتبار هذه الخطوة ذكية وواقعية، لأنها تساعد الأسر على التكيف مع الوضع الاقتصادي الحالي، مضيفًا أن تقسيم الشطر الأول يعني أن الأسر لن تضطر لتسديد مبالغ ضخمة دفعة واحدة، وهو ما يعكس حرص الدولة على التخفيف من آثار الضغوط الاقتصادية وتمكين المكتتبين من امتلاك سكن دون الضغط على ميزانيتهم الشهرية، وعلى مستوى المخاطر الاجتماعية المرتبطة بالتمويل، أكد عرقوب أن هذه الخطوة يمكن النظر إليها كآلية وقائية مهمة، موضحًا أنه عندما يكون النظام المالي الرسمي مرنًا ويسمح بتقسيم الدفعات، يقل احتمال لجوء المواطنين إلى الاستدانة غير الرسمية أو القروض ذات الفوائد العالية، والتي قد تسبب أزمات اجتماعية فيما بعد، واعتبر أن هذه السياسة تساهم في الحد من المخاطر الاجتماعية وحماية الأسر من الانزلاق المالي.
البعد النفسي والاجتماعي للقرار
من جهته، تناول الأستاذ في علم الاجتماع إسماعيل أبو قصي – في تصريح لـ”الأيام نيوز” – البعد النفسي والاجتماعي للقرار، موضحًا أن قرار تقسيم الشطر الأول يعكس وعي الدولة بالبعد النفسي والاجتماعي للمكتتبين، خاصة وأن مرحلة الانتظار الطويلة لموعد السكن تخلق توترًا وقلقًا لدى الأسر، واعتبر أن هذا الإجراء يظهر أن الدولة تحاول توزيع الأعباء المالية بطريقة تقلل الضغوط على المواطنين، وتوفر شعورًا بالتحكم والقدرة على التخطيط المالي خلال فترة الانتظار، بدل أن يشعر المكتتبون بالعجز أو الإحباط نتيجة الانتظار الطويل.
من الدفع إلى ورشات الإنجاز
وفي تحليله لتأثير القرار على القلق الاجتماعي، أوضح أبو قصي أن هذا الإجراء يساهم جزئيًا في تهدئة القلق الاجتماعي لأنه يضبط التوقعات ويوفر آلية مالية واضحة، ما يخفف من الإحساس بعدم اليقين، غير أنه نبّه إلى أن التحديات الحقيقية للمكتتبين لا تنتهي بالدفع، بل تنتقل إلى متابعة الإنجاز الفعلي للمشروع، التأكد من جودة البناء، الالتزام بمواعيد التسليم، والتعامل مع أي عراقيل محتملة خلال مراحل الأشغال، وخلص إلى أن الدفع خطوة مهمة للتخفيف من القلق النفسي، لكنه ليس نهاية الطريق، بل بداية مرحلة جديدة تحتاج إلى متابعة ومواكبة دقيقة.
الانطلاقة الرسمية للمشروع
أما من الناحية التقنية، فقد أوضح المهندس المعماري أمين بن عمارة – في تصريح لـ”الأيام نيوز” – أن دفع الشطر الأول بالنسبة للمكتتب في مشاريع “عدل 3” يمثل الانطلاقة الرسمية للمشروع من الناحية المالية، مبرزًا أن ذلك يسمح للشركة المكلفة بالبناء بالبدء في تنفيذ المراحل العملية، وأشار إلى أن هذا الدفع يعني عمليًا تخصيص الموارد اللازمة للموقع، بدء أعمال التسوية، ووضع البنية التحتية الأولية مثل الطرق الداخلية، شبكات الصرف الصحي، الماء والكهرباء، وتحضير القواعد الخرسانية للمباني، مؤكدًا أنه دون هذا الدفع، تبقى المشاريع على الورق، لذلك الشطر الأول هو الضمان العملي لانطلاقة الأشغال على الأرض.
مراحل الإنجاز وتوقعات التسليم
وفيما يخص المراحل اللاحقة، شرح بن عمارة أن المشاريع تمر بعد الدفع بـتحضير الموقع والأشغال التمهيدية، ثم أعمال الهيكل الخرساني، تليها التشطيبات الأولية، وصولًا إلى التشطيبات النهائية، وبخصوص الآجال، أكد أن المدة الواقعية قبل التسليم تختلف حسب حجم المشروع والموقع، لكنها عادة تتراوح بين 18 و24 شهرًا من تاريخ دفع الشطر الأول، مشددًا على ضرورة أن يضع المكتتبون هذه المدة في حساباتهم وعدم توقع تسليم فوري فور الدفع، إذ أن البناء يمر بمراحل دقيقة تتطلب الوقت والجودة.
بهذا المعطى، يتضح أن قرارات “عدل 3” لا تقتصر على أرقام مالية، بل تندرج ضمن رؤية شاملة تجمع بين الاعتبارات الاقتصادية والاجتماعية والتقنية، وتسعى إلى مرافقة المكتتب من لحظة الدفع الأولى إلى غاية استلام السكن في ظروف أكثر توازنًا واستقرارًا.
