حسين إسماعيل من الثقافي الصيني يرى الشباب عماد العلاقات المصرية الصينية ونجومها المتألقة

حسين إسماعيل من الثقافي الصيني يرى الشباب عماد العلاقات المصرية الصينية ونجومها المتألقة

أكد حسين إسماعيل، نائب رئيس تحرير الطبعة العربية لمجلة “الصين اليوم” والرئيس التنفيذي لفرع المجلة في الشرق الأوسط، أن الشباب يمثلون الركيزة الأساسية للعلاقات المصرية-الصينية منذ بداياتها وعبر مراحل تطورها المتعددة.

وفي ندوة عُقدت بالمركز الثقافي الصيني في القاهرة، استعرض إسماعيل دور الشباب المحوري في العلاقات العربية-الصينية، تلا ذلك تقديمه عرضًا شيقًا وموجزًا لرواية الخيال العلمي الصينية الشهيرة “مسألة الأجسام الثلاثة”.

شهدت الندوة حضورًا رفيع المستوى ضم تشانغ يي، المستشار الثقافي بسفارة الصين لدى مصر، ومحمد الجابري، رئيس مجلس إدارة مجموعة النيل العربية للنشر والتوزيع، بالإضافة إلى همت لاشين، رئيسة نادي قراء مجلة “الصين اليوم” في الإمارات، وتسانغ هاي جينغ، رئيسة قسم الكتاب عبر الإنترنت بجمعية الكتاب الصينيين في مقاطعة خنان.

في مستهل كلمته، صرح حسين إسماعيل بأن رواية “مسألة الأجسام الثلاثة” تندرج تحت أدب الخيال العلمي، وقد أُتيحت له فرصة ترجمتها إلى اللغة العربية بالتعاون مع الزميلة المستعربة والمترجمة الصينية المرموقة الأستاذة فريدة وانغ فو، وصدرت طبعتها العربية في عام 2024. وأوضح أنه وقع اختياره على هذه الرواية لأن مؤلفها، ليو تسي شين، كان في ريعان شبابه، يبلغ ثلاثة وأربعين عامًا، عندما أبدع هذا العمل الأيقوني، فهو من مواليد بكين عام 1963، ويُصنف كواحد من أبرز وأكثر مؤلفي الخيال العلمي تأثيرًا في الصين. وأكد إسماعيل أن هذه الندوة، المعنونة بـ “إبداعات الكتاب الشباب من مصر والصين في العصر الجديد”، تشكل مقاربة إضافية، ولن تكون الأخيرة، لمحور يعتبره الأهم في العلاقات المصرية-الصينية، إذ يرى أن الشباب هم العمود الفقري لهذه العلاقات منذ نشأتها وحتى مراحل تطورها المتلاحقة.

لمحات تاريخية عن دور الشباب في العلاقات المصرية-الصينية

يتصدر المشهد الرئيسي للعلاقات المصرية-الصينية في العصر الحديث، والذي نحتفل هذا العام بذكراه السبعين، شاب مصري لم يتجاوز الثامنة والثلاثين من عمره، وهو الزعيم جمال عبد الناصر. ففي أبريل عام 1955، هبطت الطائرة التي تقل عبد الناصر والزعيم الهندي جواهر لال نهرو في مطار رانغون بميانمار، ليلتقي ناصر عند سلم الطائرة برئيس مجلس الدولة الصيني تشو إن لاي. أبدى السيد تشو إعجابه بالزعيم المصري الشاب أثناء مصافحته، لتبدأ من هنا صفحة جديدة في العلاقات العربية-الصينية.

وبينما كان إسماعيل يستعرض هذا المشهد المهيب، تذكر مشهدًا آخر يسبقه بأكثر من ثلاثين عامًا، وهو مشهد لوجوه صينية شابة، حملت أمتعة قليلة وتنقّلت بين السفن، مقاومة الأمواج والعواصف، لتستقر في نهاية المطاف على السواحل المصرية. هؤلاء كانوا الدفعة الأولى من الطلاب الصينيين الذين وصلوا إلى مصر عام 1931 للدراسة في الأزهر، ومن بينهم شخصيات بارزة مثل محمد مكين ما جيان، ولين شينغ هو، ونا شيون، ولين شونغ مينغ، ولين تشينغ تشين، وغيرهم من العلماء المسلمين الصينيين الذين أتقنوا اللغة العربية وعملوا على نشرها في أرجاء الصين.

عند وصول ما جيان إلى مصر، كان شابًا في الخامسة والعشرين من عمره، وكذلك كان رفاقه في الفئة العمرية ذاتها تقريبًا. أضاف إسماعيل أنه لا يرغب في التعمق كثيرًا في التاريخ، لكنه يرى ضرورة التذكير بروّاد العلاقات بين الأمتين العربية والصينية، من الشباب الرحالة والتجار الذين شقوا دروب طريق الحرير، فأسماء مثل قتيبة بن مسلم الباهلي، ومحمد بن عبد الله الطنجي (ابن بطوطة)، وتشنغ خه، أمير البحر الصيني المسلم، تمثل أعلامًا تاريخية لا غنى عن الإشارة إليها.

التبادل الثقافي والأكاديمي: جسور التواصل بين الشباب

ظل شباب الأمتين العربية والصينية في حالة استعداد دائم، فعقب تأسيس العلاقات الرسمية بين مصر والصين، أنشأت مصر عام 1957 دورة في اللغة الصينية بجامعة عين شمس، التي سرعان ما تحولت إلى تخصص في العام التالي، ثم إلى قسم مستقل للغة الصينية بكلية الألسن بذات الجامعة عام 1977، وتخرجت الدفعة الأولى منه في عام 1981. وفي ذات الفترة، كان شباب الصين يمثلون النور الساطع في العلاقات المصرية-الصينية الرسمية الوليدة آنذاك. ففي خريف عام 1956، وهو العام الذي شهد إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، تعرضت مصر للعدوان الثلاثي، وكانت جامعة بكين قد استقبلت دفعة من الشباب لدراسة اللغة العربية، من بينهم الشابان تساو بنغ لينغ ولو تشانغ يي، اللذان أصبح أحدهما فيما بعد ملحقًا عسكريًا والآخر ملحقًا دبلوماسيًا بسفارة الصين لدى مصر. تصدر طلاب هذه الدفعة المظاهرات التي عمت بكين دعمًا لمصر ورفضًا للعدوان، مرددين عبارات بسيطة تعلموها باللغة العربية. وفي خريف العام نفسه، وصل إلى الصين شابان مصريان، هما هبة عنايت، الذي لم يكن قد أتم الخامسة والعشرين من عمره، وتماضر تركي، والتحقا بالأكاديمية الصينية المركزية للفنون الجميلة، حيث درس عنايت بها الحفر على الخشب لمدة خمس سنوات، لتصبح الصين وطنه الثاني، ويُمنح وسام “سفير الصداقة الشعبية”.

سبق ذلك بعام، وتحديدًا في نوفمبر 1955، وصول الدفعة الأولى من طلاب جمهورية الصين الشعبية الشباب إلى مصر لدراسة اللغة العربية، وضمت هذه الدفعة سبعة طلاب، من بينهم يانغ فو تشانغ، الذي أصبح سفيرًا للصين لدى مصر في تسعينيات القرن العشرين. وتتابعت بعثات الشباب والناشئين الصينيين إلى مصر، ليس للدراسة فحسب، بل للانخراط والاندماج في المجتمع المصري أيضًا، فقد جاء قاو يو شن وتشن دونغ يون وآخرون للدراسة في المراحل الابتدائية والإعدادية والثانوية بمصر، وعاشوا ضمن أسر مصرية. أصبح السيد قاو لاحقًا سفيرًا لبلاده لدى عدة دول عربية، كان آخرها الأردن، وقضى سنوات كدبلوماسي بسفارة الصين لدى مصر، أما الدكتورة تشن دونغ يون فقد شغلت منصب المستشارة الثقافية بسفارة الصين لدى مصر، ومديرة الصرح الذي يستضيف الندوة الحالية.

ومع تبني الصين سياسة الإصلاح والانفتاح في أواخر سبعينيات وبداية ثمانينيات القرن العشرين، كانت مصر قد تجاوزت فترة حرب تحرير أراضيها بالجهود العسكرية والدبلوماسية. في تلك الحقبة، كان الطلاب المتفوقون في السنة الثالثة وطلاب الماجستير بقسم اللغة الصينية بجامعة عين شمس يواصلون دراستهم في جامعات بكين ومدن صينية أخرى، بينما كان الشباب الصيني من الجنسين يدرسون في الجامعات المصرية.

إن الشباب المصريين، الذين نرى اليوم نماذج متألقة منهم، هم من عملوا وما زالوا يعملون على تقديم الثقافة والفكر الصيني إلى مصر والأمة العربية. وقد شهدت حركة الترجمة من الصينية إلى العربية في السنوات الأخيرة قفزة نوعية ملحوظة، يعود الفضل الأكبر فيها إلى جهود هؤلاء الشباب.

رواية “مسألة الأجسام الثلاثة”: تفاصيل وحبكة

وأوضح حسين إسماعيل أن رواية “مسألة الأجسام الثلاثة” هي في الواقع ثلاثية متكاملة تتألف من أجزاء “ذاكرة ماضي الكرة الأرضية”، “الغابة المظلمة”، و”نهاية الموت”. نُشرت القصة في البداية على حلقات في مجلة “عالم الخيال العلمي” عام 2006، قبل أن تصدر ككتاب مستقل في عام 2008. وفي عام 2006، حصدت الرواية جائزة “غالاكسي” المرموقة للخيال العلمي الصيني، وفي عام 2012، صُنفت كواحدة من أنجح الروايات الصينية الطويلة على مدار العقدين الماضيين.

تفتتح أحداث الرواية عام 1967، حيث تُعرض مشاهد مؤثرة لأعمال العنف التي سادت فترة الثورة الثقافية في الصين والتي امتدت من عام 1966 إلى 1976، مخلفة آثارًا سلبية واسعة على المجتمع الصيني في كافة المجالات، بما في ذلك علوم الفيزياء والعلماء. الشخصية المحورية هي الفتاة يه ون جيه، عالمة الفيزياء الفلكية وابنة عالم الفيزياء البارز يه تشه تاي من جامعة تشينغهوا الصينية، حيث شهدت ون جيه الصغيرة ضرب والدها حتى الموت على يد أفراد الحرس الأحمر أمام عيني والدتها شاو لين، التي كانت عالمة فيزياء بدورها. دفعت هذه الصدمة ون جيه للعمل في قاعدة “الساحل الأحمر” السرية، وهو مشروع عسكري يهدف إلى استكشاف حياة خارج كوكب الأرض. في هذه القاعدة، ووسط شعورها بالخيبة من عجز البشرية عن التعايش بسلام مع نفسها ومع الطبيعة، تنجح هذه العالمة الشابة في التواصل مع كوكب “تريسولاريس”، لتدعو سكانه للقدوم وغزو الأرض، بهدف حل مشكلات البشرية.

لاحقًا، تلتقي السيدة يه ون جيه بالناشط البيئي مايك إيفانز، الذي يشاركها كراهية البشرية، وتخبره عن الكوكب الذي تواصلت معه، ليؤسسا معًا منظمة سرية تُعرف باسم “منظمة الكرة الأرضية وتريسولاريس”. يكمن هدف سكان تريسولاريس في غزو الأرض والسيطرة عليها، هربًا من الظروف القاسية التي يواجهونها على كوكبهم، وخاصة عدم قدرتهم على إنشاء تقويم دقيق يمكنهم من التنبؤ بالكوارث المناخية التي تهدد بفناء حضارتهم.

اعتمدت خطة تريسولاريس لغزو الكرة الأرضية على استراتيجية مبتكرة، تمثلت في تطوير حواسيب عملاقة دقيقة، مدمجة في بروتونات منفردة، أطلقوا عليها اسم “السوفونات”. كان الغرض من هذه التقنية هو إعاقة التطور التكنولوجي على كوكب الأرض، عبر التدخل في التجارب العلمية البشرية.

مع حلول أواخر العقد الأول وأوائل العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، أدى الانهيار الواضح للتقدم العلمي على الأرض، بسبب تأثير “السوفونات”، إلى انتحار عدد من العلماء البارزين. هذا الوضع أثار قلق الحكومات العالمية، مما دفعها لعقد اجتماعات مكثفة في مقر الأمم المتحدة، حيث تم الاتفاق على تشكيل فرقة عمل دولية للتحقيق. استعانت الفرقة بخبير تكنولوجيا النانو الصيني وانغ مياو والمحقق الصيني شي تشيانغ، الذي تمكن من الانضمام متنكرًا إلى منظمة “الكرة الأرضية وتريسولاريس”. هناك، اكتشف شي تشيانغ تفاصيل المؤامرة، وعلم بوجود انقسام داخل المنظمة إلى فصيلين: فريق “السبتيين” أو الأدفنتست، الذين يعتقدون أن البشرية غير قابلة للإصلاح وتستحق الفناء الكامل، وفريق “المخلصين”، الذي يهدف إلى إنقاذ حضارة تريسولاريس عبر إيجاد حل لمسألة الأجسام الثلاثة وتطوير تقويم دقيق.

بناءً على هذه المعلومات، تم اقتحام اجتماع لمنظمة “الكرة الأرضية وتريسولاريس”، مما أسفر عن اعتقال يه ون جيه والاستيلاء على منظومة اتصالات تريسولاريس. وبهذا، أصبحت حكومات الكرة الأرضية على دراية بوجود تريسولاريس وقواتها الغازية التي تقترب، مما دفع وانغ مياو وزملاءه لاتخاذ قرار حاسم بالقتال دفاعًا عن الإنسانية.

وفي ظل التحديات الراهنة، أكد إسماعيل أن الحاجة للدفاع عن الإنسانية أصبحت ملحة أكثر من أي وقت مضى.

واختتم إسماعيل كلمته معترفًا: “أستمتع بكل عمل أترجمه أو أكتبه، لكن متعة رواية “مسألة الأجسام الثلاثة” تفوق أي عمل آخر. السؤال الذي ظل يراودني في كل صفحة هو: كيف تمكن ليو تسي شين من دمج ونسج هذا الكم الهائل من المعارف بتناغم وسلاسة، في التاريخ والأديان، العلاقات الدولية والفضاء والفلك، علم النفس والتخطيط الحضري، الطقوس والتقاليد، والمشاعر الإنسانية، وغير ذلك الكثير”. وأردف: “أنا لا أتحدث عن الخيال العلمي الذي يصنف هذا العمل ضمنه، والذي يتجلى بقوة في جميع أجزائه، بل أتحدث عن القضية المحورية التي تشغل العالم اليوم أكثر من أي وقت مضى، وهي قضية المستقبل المشترك للبشرية وكوكب الأرض، وطننا المشترك. إنها قضيتنا جميعًا، وليست مجرد قصة حضارة غريبة على وشك الانهيار تخطط لغزو الأرض أو “الغابة المظلمة” التي يبدو أننا نقترب منها هذه الأيام، بل هي التحديات العميقة والشاملة والخطيرة التي تواجه الحضارة المعاصرة، والتي لا تستطيع قوة واحدة مواجهتها مهما بلغت ثروتها المادية وإمكانياتها الاستراتيجية. وهذا يتطلب تفكيرًا إبداعيًا، وترسيخ الأساس الإنساني في المقام الأول، ويستلزم الحكمة والرشد ومراعاة الآخر، والعمل على بناء المستقبل المشترك الذي تدعو إليه الصين”. واختتم حديثه باقتباس من كلمات ليو تسي شين من الكتاب الأخير لـ “ثلاثية الأجسام الثلاثة”: “ما أريده ليس كتابة التفاصيل، وإنما أقدم فقط إطارًا للتاريخ أو ذاكرة الماضي… لقد كتبت إطارًا ليسهل ملؤه بالتفاصيل في يوم من الأيام. بالطبع، هذه المهمة لن تقع على عاتقنا. آمل فقط أن يأتي ذلك اليوم.”