حقيقة مصدر الغاز السوري بين مصر وإسرائيل

حقيقة مصدر الغاز السوري بين مصر وإسرائيل

أقرأ نيوز 24 – وسيم العدوي

شهدت العلاقات الأردنية السورية توقيع اتفاقية هامة لبيع وشراء الغاز الطبيعي في 26 من كانون الثاني الماضي، بهدف إمداد سوريا بالغاز عبر الأراضي الأردنية، تزامنًا مع استعادة سوريا سيطرتها على حقول النفط والغاز في شمال شرق البلاد لأول مرة منذ أكثر من 13 عامًا.

تضمنت الاتفاقية التزام الأردن بتزويد سوريا بحوالي أربعة ملايين متر مكعب من الغاز الطبيعي يوميًا، أي ما يعادل تقريبًا 140 مليون قدم مكعبة، مع الإشارة إلى أن مصدر هذا الغاز لم يُفصح عنه بشكل واضح، كما بدأ الأردن فعليًا، وقبل 25 يومًا من توقيع الاتفاقية، في ضخ الغاز الطبيعي لسوريا بكميات يومية تراوحت بين 30 و90 مليون قدم مكعبة، وفقًا لما صرح به وزير الطاقة والثروة المعدنية الأردني، صالح الخرابشة.

هل الغاز إسرائيلي أم مصري؟

أثارت الاتفاقية السورية-الأردنية، التي لم يُحدد سقفها الزمني، العديد من التكهنات وعلامات الاستفهام عبر منصات التواصل الاجتماعي بشأن مصدر الغاز الذي يورده الأردن إلى سوريا، وهل هو إسرائيلي أم مصري، وما إذا كان يندرج ضمن اتفاق إقليمي أوسع لم تتضح معالمه بعد.

وأكدت مصادر من سوريا ولبنان ومصر والأردن، لمنصة “الطاقة” المتخصصة في أسواق الطاقة الدولية، بحسب تقرير نشرته في 12 من كانون الثاني الماضي، أن الحديث عن وصول الغاز المصري فعليًا إلى سوريا ولبنان لا يستند إلى وقائع تشغيلية ملموسة، وذلك في ظل استمرار التحديات الفنية وتأهيل البنية التحتية، بالإضافة إلى تباين مسارات الإمداد المعلنة رسميًا.

كما صرح وزير الطاقة والثروة المعدنية الأردني، صالح الخرابشة، بأن عمليات تزويد سوريا بالغاز الطبيعي بدأت فعليًا منذ الأول من كانون الثاني الماضي، وذلك عبر باخرة “التغويز” المستأجرة من الجانب المصري (Energos Force) والراسية في ميناء العقبة حتى نهاية آذار المقبل، هذا التصريح، بالإضافة إلى تأكيدات المصادر السابقة، يعني رسميًا أن ما وصل إلى سوريا ليس غازًا مصريًا.

وفقًا للموقع الإلكتروني لبيانات تتبع السفن، كانت آخر شحنة غاز مسال وصلت إلى الأردن في الأسبوع الأخير من تشرين الثاني 2025، على متن الناقلة القطرية “أم غويلينه” التي تعمل لصالح شركة “قطر للطاقة للتجارة”.

وقد جاءت هذه الشحنة الأخيرة لحساب شركة الكهرباء الوطنية الأردنية، قادمة من الولايات المتحدة الأمريكية، ويقدر حجمها بنحو 70 ألف طن من الغاز المسال، أي ما يعادل 98 مليون متر مكعب من الغاز الطبيعي، باحتساب أن كل كيلوغرام من الغاز المسال يساوي 1.4 متر مكعب من الغاز الطبيعي.

هذه الكمية تكفي لتزويد سوريا بالغاز الطبيعي لمدة 24.5 يوم فقط، بافتراض كمية يومية تبلغ أربعة ملايين متر مكعب، وبما أن عملية تصدير الغاز من الأردن إلى سوريا بدأت في 1 من كانون الثاني الماضي، فإن كميات الغاز المسال على متن الناقلة القطرية “أم غويلينه” تكون قد نفدت، الأمر الذي يزيد الشكوك مجددًا حول هوية الغاز الذي تستورده سوريا عبر الأردن.

وقعت سوريا ومصر مذكرتي تفاهم (لم تصلا بعد إلى مرحلة الاتفاق) في 5 من كانون الثاني، تستهدفان التعاون في توريد الغاز الطبيعي إلى سوريا عبر مصر لتوليد الكهرباء، وذلك من خلال الاستفادة من البنية التحتية المصرية، بما فيها شبكات نقل الغاز وسفن “التغويز”، وتلبية احتياجات سوريا من المنتجات البترولية، إلى جانب تبادل الخبرات الفنية والتعاون في مجالات تأهيل البنية التحتية لقطاعي النفط والغاز في سوريا.

المؤشرالقيمة
كمية الغاز اليومية المتفق عليها للأردن4 ملايين متر مكعب (140 مليون قدم مكعب)
الكمية اليومية التي بدأت الأردن بتزويدها قبل الاتفاقية30-90 مليون قدم مكعب
حجم آخر شحنة غاز مسال (LNG) وصلت الأردن70 ألف طن (ما يعادل 98 مليون متر مكعب من الغاز الطبيعي)
مدة كفاية الشحنة الأخيرة لسوريا (بمعدل 4 ملايين م³ يومياً)24.5 يوم

وزارة الطاقة الأردنية: الغاز من الأسواق العالمية

وجهت “أقرأ نيوز 24” مجموعة من الاستفسارات لوزارة الطاقة والثروة المعدنية الأردنية وشركة الكهرباء الوطنية الأردنية، تتعلق بعدد من القضايا المرتبطة بالاتفاقية الموقعة مع سوريا، ومصدر الغاز المورد إليها، وهل هو إسرائيلي.

امتنعت الشركة الأردنية عن تقديم إجابات، في حين اكتفت الوزارة بتوضيح مصدر الغاز بأنه “غاز مستورد من الأسواق العالمية”، دون أن تنفي بشكل قاطع ما إذا كان الغاز إسرائيليًا.

وأوضحت الوزارة أن الغاز الذي يورده الأردن إلى سوريا يتم ضخه من مدينة العقبة الأردنية جنوبًا، عبر خط الغاز العربي، باتجاه الشمال الأردني، وصولًا إلى الأراضي السورية.

كما عقبت الوزارة بأن “الأسئلة المتبقية هي من اختصاص شركة الكهرباء الوطنية الأردنية”.

الغاز ليس أردنيًا والتكلفة السنوية 800 مليون دولار

صرح مدير إدارة الإعلام بوزارة الطاقة السورية، عبد الحميد سلات، لمنصة “الطاقة”، أن الغاز المورد إلى سوريا ليس أردنيًا، بل يأتي عبر سفينة إعادة “تغويز” في ميناء العقبة، بكمية تقارب أربعة ملايين متر مكعب يوميًا.

وأضاف سلات أن القيمة السنوية المتوقعة لاتفاقية تصدير الغاز من الأردن إلى سوريا تُقدر بنحو 800 مليون دولار.

وأكد سلات، في التصريحات ذاتها، أن الحكومة السورية تتحمل التكلفة كاملة، على عكس التجارب السابقة التي كانت تعتمد على منح خارجية لدعم قطاع الكهرباء، حيث تنص الاتفاقية على الشراء بالأسعار الكاملة، والكميات ليست “منحة”.

المؤشرالقيمة
كمية الغاز اليومية المتفق عليها للأردن4 ملايين متر مكعب (140 مليون قدم مكعب)
الكمية اليومية التي بدأت الأردن بتزويدها قبل الاتفاقية30-90 مليون قدم مكعب
حجم آخر شحنة غاز مسال (LNG) وصلت الأردن70 ألف طن (ما يعادل 98 مليون متر مكعب من الغاز الطبيعي)
مدة كفاية الشحنة الأخيرة لسوريا (بمعدل 4 ملايين م³ يومياً)24.5 يوم
التكلفة السنوية التقديرية للغاز المورد لسوريا800 مليون دولار

خبير طاقة: “احترام متبادل” بين سوريا وإسرائيل

في حديثه لـ “أقرأ نيوز 24″، صرح رئيس لجنة الطاقة والغاز الطبيعي في غرفة صناعة دمشق وريفها، محمد أورفه لي، أن سوريا تستطيع استيراد الغاز من الخط العربي الذي يبدأ في مصر مرورًا بالأردن وصولًا إلى سوريا ولبنان، موضحًا أن الغاز الطبيعي يمكن توزيعه كالكهرباء بالضخ عبر الأنابيب في أي مكان متصل بالشبكة، ويمكن أن يستلم كذلك من أي مكان.

وأضاف الخبير السوري أن من الممكن ضخ الغاز من سوريا واستلامه في لبنان، ومن الممكن عكس ذلك، ولا يمكن أيضًا معرفة إن كان الغاز مصريًا أم إسرائيليًا بسبب ترابط جميع شبكات الأنابيب ببعضها، مشيرًا إلى ما وصفه بـ”احترام متبادل” بين سوريا وإسرائيل، “بعد تدخل الولايات المتحدة لتعزيز ذلك، وهذا لا يخفى على القاصي والداني”.

يمتد خط الغاز العربي بطول 1200 كيلومتر من العريش في مصر إلى طابا، ثم ميناء العقبة وصولًا إلى العاصمة الأردنية عمان، ومنها إلى دمشق وحمص وميناء بانياس في سوريا، ثم إلى ميناء طرابلس اللبناني، بطاقة استيعابية تبلغ 10.3 مليار متر مكعب سنويًا، وهو متصل أيضًا من العريش بخط أنابيب مصري يصل إلى ميناء عسقلان بفلسطين المحتلة.

غاز منخفض القيمة وتحديات فواتير الكهرباء المرتفعة

وحول مدى تأثير تكلفة استيراد الغاز من الأردن على التكلفة النهائية للكهرباء المنتجة والمباعة للمستهلك السوري، يرى أورفه لي أنه عندما تحقق وزارة الطاقة التي تولد الكهرباء أرباحًا، فإن ذلك يعني توسعًا في الأعمال، ومع المدى الطويل سيلمس المستهلك هذا التطور حتمًا، ولكن في الوقت الراهن، فوجئ الكثير من المواطنين بأسعار الكهرباء المرتفعة.

“بالطبع لا أحد يحب زيادة الأسعار”، أضاف الدكتور أورفه لي، مستشهدًا بتجربة شخصية، “على المستوى الشخصي وبهدف خفض أسعار الغاز المنزلي، استوردت محطة لتعبئة الغاز، لكن وزارة الطاقة السورية رفضت ولم تسمح لي بتعبئة الغاز وتوزيعه، على الرغم من أن اسطوانة الغاز المعبأة في هذه المحطة يمكن أن تصل إلى المواطن في منزله بتسعة دولارات، مع تحقيق بعض المكاسب”.

وتوجه الخبير الاقتصادي إلى وزارة الطاقة قائلًا، إن “المسؤوليات على عاتقكم كبيرة، ولكن لا تزر وازرة وزر أخرى، فالغاز الطبيعي من أرخص أنواع الوقود في العالم، واستعادة آبار النفط في الشمال الشرقي من سوريا تكفي لتغطية النفقات والمصاريف التي تثقل كاهل الوزارة”.

دعوة لشراء الغاز بالوحدات الحرارية

اعتبر رئيس لجنة الطاقة والغاز الطبيعي في غرفة صناعة دمشق، محمد أورفه لي، أن أي توريد للغاز الطبيعي يمثل قيمة اقتصادية مضافة، كونه أقل تكلفة وقود في العالم وأنظفها، حيث لا توجد انبعاثات كبريتية تخلخل المكننة والمستوعبات، بالإضافة إلى توفر احتواء للطاقة في العنفات الغازية.

وأشار إلى أن سوريا كانت تنتج 20 مليون متر مكعب من الغاز قبل اندلاع الثورة عام 2011، وكانت هذه الكمية آنذاك لا تلبي احتياجات الكهرباء، مما يعني أن الكمية المستوردة من الغاز حاليًا مطلوبة وتشكل قيمة اقتصادية عالية.

ودعا رئيس لجنة الطاقة الحكومة السورية إلى الشراء بالمليون وحدة حرارية بدلاً من المتر المكعب من الغاز، أي الشراء بوحدة حرارية وليست وحدة حجمية، ومن المؤكد أن الحكومة، كالمعتاد، تتقاضى أجور مرور الغاز الطبيعي عبر أراضيها إلى لبنان من خلال الحصول على كميات مجانية من الغاز.

وأشار وزير الطاقة السوري، محمد البشير، في تصريح نقلته منصة “الطاقة” عقب توقيع الاتفاقية مع الأردن، إلى أن بدء استيراد كميات الغاز منذ بداية العام الحالي أسهم في تحسن الشبكة الكهربائية ورفع التوليد من 2500 ميغاواط إلى أكثر من 3000 ميغاواط بعد استيراد الغاز من الأردن.

يتيح الموقع الجغرافي للأردن على ميناء العقبة وجود وحدة عائمة لإعادة “التغويز”، والتي استطاعت تلبية الطلب على الغاز للعديد من الدول المجاورة مثل مصر ومؤخرًا سوريا.