
أقرأ نيوز 24 – مع موافقة مجلس الوزراء الأردني على الأسباب الموجبة لمشروع القانون المعدل لقانون الضمان الاجتماعي لسنة 2026، يتجدد النقاش الواسع حول طبيعة الإصلاحات المقترحة وتأثيراتها المتوقعة على المشتركين وسوق العمل في المملكة، وبينما يركز الخطاب الرسمي على أهمية تعزيز الاستدامة المالية للنظام، فإن تحليلاً اقتصادياً واجتماعياً متعمقاً يكشف أن المشروع يحمل أبعاداً تتجاوز مجرد الحسابات الاكتوارية، وتلامس جوانب حياتية واقتصادية عميقة.
تحديات رفع سن التقاعد
تبرز إحدى أبرز الإشكاليات في مقترح رفع سن التقاعد تدريجياً ليبلغ 65 عاماً للذكور و60 عاماً للإناث، ورغم أن هذا التطبيق سيتم على مراحل، إلا أن آثاره المحتملة على سوق العمل تثير مخاوف جدية، خصوصاً في ظل اقتصاد أردني يعاني أصلاً من ارتفاع معدلات البطالة بين فئة الشباب، إذ أن استمرار العاملين في وظائفهم لفترات أطول قد يبطئ من حركة الإحلال الوظيفي، ويقلل من فرص التوظيف الجديدة المتاحة للخريجين والباحثين عن عمل، مما قد يفاقم الاختلالات الهيكلية بدلاً من المساهمة في حلها، كما أن مهناً معينة، ذات طابع جسدي أو ميداني شاق، قد لا تسمح بمواصلة العمل بكفاءة حتى هذه الأعمار المتقدمة، مما قد يؤثر سلباً على صحة وإنتاجية العاملين فيها.
تداعيات تشديد شروط التقاعد المبكر
بالإضافة إلى ما سبق، يشير تشديد شروط التقاعد المبكر وزيادة عدد الاشتراكات المطلوبة إليه إلى اتجاه واضح نحو تقليص هذا الخيار، الذي لطالما مثل أداة مرنة للأفراد في مواجهة ظروف مختلفة، مثل فقدان العمل، أو برامج إعادة الهيكلة في الشركات، أو تدهور الحالة الصحية غير المصنف كعجز كلي، ورغم أن التقاعد المبكر قد شكل عبئاً مالياً على صندوق الضمان الاجتماعي على مر السنين، فإن إلغاءه تدريجياً قد ينقل هذا العبء إلى منظومات الحماية الاجتماعية الأخرى، ما لم يتم توفير حلول وبدائل اقتصادية عملية وفعالة.
تأثير زيادة عدد الاشتراكات للتقاعد الكامل
علاوة على ذلك، فإن زيادة عدد الاشتراكات اللازمة لاستحقاق التقاعد الكامل من 180 شهراً إلى 240 شهراً (ما يعادل 15 إلى 20 عاماً)، تعني فعلياً فرض مدة خدمة أطول، وهذا الإجراء قد يكون له تأثير مباشر وسلبي على العاملين في القطاعات ذات الاستقرار الوظيفي المنخفض، وكذلك على العمالة الموسمية، إضافة إلى النساء اللواتي قد يضطررن للانقطاع عن العمل لأسباب اجتماعية أو أسرية، وهذا التغيير يطرح تساؤلات جدية حول مدى مراعاة المشروع لخصائص سوق العمل الأردني، وطبيعة التشغيل غير المنتظم في عدد من قطاعاته الحيوية.
تأثير زيادة اشتراكات التقاعد المبكر إلى 360 شهراً
تكمن سلبية رفع عدد الاشتراكات المطلوبة للتقاعد المبكر إلى 360 اشتراكاً (ما يعادل 30 عاماً)، في تقليص المرونة التي كان يوفرها هذا الخيار للعاملين في سوق عمل يتسم بعدم الاستقرار وارتفاع مستويات البطالة، فالكثير من العاملين، خاصة في القطاع الخاص والمهن التي تتطلب جهداً بدنياً، قد لا يتمكنون عملياً من الاستمرار في العمل لفترة طويلة بما يكفي لاستكمال هذه المدة، وفي الوقت ذاته، قد يجدون صعوبة بالغة في العثور على فرص عمل بديلة في الأعمار المتقدمة، مما يضعهم في وضع حرج بين البطالة وعدم استحقاق التقاعد، كما أن هذا التعديل قد يؤثر بصورة أكبر على العمالة الموسمية أو غير المنتظمة التي تتخلل مسيرتها المهنية فترات انقطاع عن الاشتراك، مما يجعل الوصول إلى 360 اشتراكاً أمراً أكثر تعقيداً مقارنة بالعاملين في الوظائف المستقرة، وهذا التحول قد ينقل جزءاً كبيراً من العبء المالي من صندوق الضمان الاجتماعي إلى الأفراد والأسر، أو إلى منظومة الدعم الاجتماعي الأوسع، ما لم تترافق هذه التغييرات مع سياسات تشغيل فعالة تستهدف الفئات العمرية الأكبر وتوفر لها بدائل مستدامة.
الأثر النفسي على ثقة المشتركين
لا يمكن إغفال البعد النفسي لهذه التعديلات، إذ أن أي تغيير يطال نظام التقاعد يثير شعوراً بالقلق وعدم اليقين لدى المشتركين، لا سيما في ظل بيئة اقتصادية متقلبة، وتعد الثقة في النظام التأميني عنصراً محورياً لنجاحه واستمراريته، وأي إصلاح لا يُصاحب بحملة تواصلية شفافة توضح المبررات والأرقام الحقيقية، قد يؤدي إلى تآكل هذه الثقة تدريجياً، مما يعرض النظام لمخاطر أكبر على المدى الطويل.
الضرورة المالية للإصلاحات
في المقابل، لا يمكن إنكار أن مشروع التعديل ينطلق من اعتبارات مالية واقعية ومُلحة، فقد أشارت البيانات الصادرة عن المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي إلى أن التوسع في حالات التقاعد المبكر خلال السنوات الماضية قد شكل عبئاً مالياً طويل الأمد على الصندوق، خاصة مع ارتفاع متوسط العمر المتوقع للمواطنين، وتزايد نسبة المستفيدين مقارنة بعدد المشتركين النشطين، ومن هذا المنظور، فإن إجراءات مثل رفع سن التقاعد وزيادة سنوات الاشتراك تعد خطوات ضرورية للمساهمة في تعزيز الاستدامة المالية للنظام، وتقليل الفجوة المتوقعة بين الإيرادات والمصروفات في المستقبل.
جوانب إيجابية ومكافحة التهرب
بالإضافة إلى ذلك، يعكس رفع الحد الأدنى للرواتب التقاعدية ليصبح 200 دينار بعداً اجتماعياً مهماً، خاصة للفئات المستحقة ذات الرواتب المنخفضة، مما يعزز مظلة الحماية الاجتماعية للفئات الأقل دخلاً، كما أن تشديد العقوبات على التهرب التأميني يعد إجراءً إيجابياً للغاية، حيث يمكن أن يساهم في توسيع قاعدة المشتركين بالضمان، ويعزز مبدأ العدالة بين مختلف المنشآت، وهو ما قد يؤدي إلى زيادة إيرادات الصندوق دون فرض أعباء مالية إضافية مباشرة على المشتركين الملتزمين.
مواءمة مع التوجهات العالمية وأهمية خلق فرص العمل
على الصعيد العالمي، اتجهت العديد من أنظمة التقاعد في دول مختلفة نحو رفع سن التقاعد وإعادة هيكلة المنافع، وهذا يأتي في سياق الاستجابة للتحولات الديموغرافية وارتفاع متوسط العمر المتوقع للسكان، ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى التعديلات المقترحة في الأردن كمحاولة لمواءمة النظام الوطني مع الاتجاهات الدولية السائدة، إلا أن نجاح هذه المواءمة يبقى معلقاً بقدرة الاقتصاد الأردني على توليد فرص عمل حقيقية ومستدامة، تستوعب الداخلين الجدد إلى سوق العمل، وتوفر خيارات للعاملين الأكبر سناً.
خاتمة: الإصلاح بين الضرورة وتوزيع الأعباء
في الختام، لا يدور النقاش الجوهري حول ضرورة الإصلاح من عدمه، فالإصلاح المالي أصبح مطلباً موضوعياً وملحاً في ظل التحديات الديموغرافية والاقتصادية الراهنة، وإنما ينصب التركيز على كيفية توزيع تكلفة هذا الإصلاح، ومن يتحمل العبء الأكبر منها، فإذا اقتصرت الإصلاحات على مجرد تعديل المعايير الاكتوارية دون معالجة جذرية لاختلالات سوق العمل الهيكلية، فقد تتحول هذه التعديلات إلى مجرد إعادة توزيع للمخاطر، حيث تنتقل الأعباء المالية من الصندوق إلى كاهل الأفراد، أما إذا ترافق هذا الإصلاح الشامل مع سياسات تشغيل فعالة، وتعزيز مستمر للشفافية والثقة بين المشتركين، فقد يشكل خطوة ضرورية نحو تحقيق استدامة حقيقية، تحمي كلاً من صندوق الضمان والمواطن على حد سواء، وتضمن مستقبلاً أفضل للجميع.
