
تابعت باهتمام بالغ، شأني شأن الكثيرين، النقاش الدائر حول التعديلات المقترحة على قانون الضمان الاجتماعي، وقد لوحظ أن معظم، إن لم يكن كل، الآراء كانت معارضة بشدة لهذه التعديلات، وهذا أمر طبيعي ومفهوم، فالضمان الاجتماعي لا يمثل مجرد نص قانوني عادي، بل هو الركيزة الأساسية لأمان الناس عند التقاعد، وأي تغيير يطرأ عليه يمس مستقبلهم بشكل مباشر ويؤثر على حياتهم ومخططاتهم المستقبلية.
تجدر الإشارة إلى أن أبنائي وبناتي جميعهم يقعون تحت طائلة هذه التعديلات، بكل ما فيها من قساوة وتحديات، ولذلك فهم من أشد المعارضين لها، وهذا يعكس بوضوح التأثير المباشر والواقعي لهذه التغييرات على حياة الأفراد والعائلات، مؤكداً أنها ليست مجرد مسألة نظرية أو جدل أكاديمي، بل تتغلغل في صميم معيشة الناس واستقرارهم.
نقطة التعادل في مؤسسة الضمان الاجتماعي ليست معيارًا كافيًا للحكم
من أبرز المفاهيم التي طُرحت في النقاش العام كانت “نقطة التعادل”، ولكن يجب التأكيد على أن هذه النقطة ليست المعيار الوحيد أو الكافي لتقييم الوضع الحقيقي للصندوق، بل هي مجرد مؤشر زمني يشير إلى الفترة التي قد تتساوى فيها الإيرادات مع النفقات، أو حينما يبدأ العجز النقدي بالظهور، ويمكن تأجيل هذه النقطة بكل يسر من خلال توسيع قاعدة المشتركين، لكن هذا لا يعني بالضرورة تحقيق تحسن جوهري ومستدام، كما أن اقترابها لا يشير بأي حال إلى انهيار وشيك – لا قدر الله – فالمعيار الحقيقي والأكثر دقة يكمن في متانة ومرونة المعادلة الاكتوارية بجميع مكوناتها وعناصرها.
10 عناصر أساسية للمعادلة الاكتوارية
تقوم استدامة نظام الضمان الاجتماعي على المعادلة الاكتوارية، التي تُعنى بتحديد العلاقة المتوازنة بين الاشتراكات والمنافع على مدى الزمن، وتتضمن هذه المعادلة عشرة عناصر رئيسية هي:
نسبة الاشتراكات المفروضة على الأجور، مع ضرورة الانتباه إلى أن رفعها بشكل مفرط قد يضر بالتنافسية الاقتصادية ويثبط جهود التوظيف والنمو، بينما يؤدي انخفاضها عن المستوى المطلوب إلى عدم استدامة الصندوق وظهور العجز المالي.
سنوات الخدمة الفعلية، ويجب أن تُراعى فيها معدلات البطالة والتحفيز الاقتصادي العام، لضمان عدم إثقال كاهل الأجيال الجديدة أو إضعاف حركة التوظيف، مع الحرص على تحقيق العدالة بين الأفراد الذين خدموا فترات أطول.
سن التقاعد، الذي يجب أن يحقق توازنًا بين الاستدامة المالية للصندوق وحاجة سوق العمل لتدوير القوى العاملة وتوفير فرص وظيفية للشباب، إذ أن رفعه بشكل كبير قد يحد من فرص دخول الشباب لسوق العمل ويزيد من نسب البطالة، بينما يؤدي انخفاضه إلى ضغط مالي على الصندوق.
متوسط الأجر المعتمد لاحتساب الراتب التقاعدي، سواء كان يعتمد على آخر أجر، أو متوسط آخر خمس سنوات، أو متوسط الأجر لكامل مدة الاشتراك.
معامل المنفعة السنوي عن كل سنة خدمة، وهو مؤشر أساسي لتحقيق العدالة للمشترك، وله تأثير كبير على استدامة النظام التأميني.
معدل العائد على استثمارات أموال الصندوق، وهو عنصر حيوي للغاية، فزيادة 100 نقطة أساس (1%) يمكن أن تقلل الفجوة التمويلية بشكل ملحوظ أو تؤخر الحاجة لتعديل نسب الاشتراك وسن التقاعد، ولكن يظل السؤال حول مدى إمكانية تحقق هذا العائد فعليًا.
الزيادة العامة على الرواتب التقاعدية، لما لها من تأثير مباشر على الالتزامات المستقبلية للصندوق، وتأثيرها في تحقيق العدالة لأصحاب الرواتب المتدنية، وتضييق الفجوة بين الرواتب المرتفعة والمتدنية.
معامل التخفيض الاكتواري للتقاعد المبكر، وهو عنصر حاسم لضمان العدالة بين الأجيال، ويجب أن يعكس الكلفة الحقيقية للخروج المبكر، بحيث لا يكون مرتفعًا جدًا ليثقل كاهل من يقترب من سن التقاعد، ولا منخفضًا جدًا فيؤدي إلى عجز تتحمله الأجيال اللاحقة، ويجب أن يحقق التخفيض توازنًا بين استدامة الصندوق وحقوق الأفراد.
سياسات إعادة التوزيع لدعم أصحاب الرواتب المنخفضة، وذلك لتمكينهم من عيش حياة كريمة وعادلة من خلال معامل المنفعة، بحيث يدعم أصحاب الرواتب العالية الرواتب المتدنية، مع ضمان عدم الإجحاف بحقوق أصحاب الرواتب العالية.
نسب الإعالة للمعالين.
إن تحقيق التوازن في هذه المعادلة بكافة عناصرها يضمن استدامة النظام لعشرات السنين، متجاوزًا بذلك مجرد أربعين عامًا قادمة.
يتضمن مفهوم التضامن داخل نظام الضمان الاجتماعي بعدين أساسيين:
تضامن تأميني طبيعي يقوم على تجميع مخاطر طول العمر، حيث يتم تمويل سنوات الصرف الإضافية لمن يعيشون لفترة أطول من المتوسط، وذلك ضمن متوسطات النظام العامة.
تضامن اجتماعي يهدف إلى إعادة توزيع جزء من الموارد لدعم ذوي الدخول المنخفضة، وتمكينهم من العيش الكريم بعد التقاعد، وهذا التضامن مشروع وضروري، لكنه يتطلب ضبطًا دقيقًا لضمان عدم الإخلال بالعدالة أو زعزعة الثقة في النظام.
ومن هنا، تبرز أهمية التدرج في تطبيق الإصلاحات، مع ضرورة تحديد فترات انتقالية أكثر مرونة وشمولية مما هو مطروح حاليًا، على أن تشمل هذه الفترات التعديل المرحلي في سن التقاعد المبكر وسنوات الخدمة المطلوبة.
ماذا يعني التدرج في تطبيق الإصلاحات في الضمان الاجتماعي؟
إذا كان الإصلاح ضروريًا، فإن تطبيقه بشكل مفاجئ وغير متدرج قد يخلق فجوة عميقة في العدالة بين أفراد لا يفصلهم سوى أيام قليلة في العمر أو بضعة أشهر، فليس من المعقول أن يؤدي فرق يوم أو يومين إلى تباين قد يصل إلى تسع سنوات أو أكثر في شروط الاستحقاق، مع خصم مرتفع جدًا، فالعدالة بين الأجيال لا تتحقق بمجرد الأرقام الصحيحة فقط، بل تكتمل بإدارتها بطريقة تمنع أي غبن أو ظلم، والتدرج في هذا السياق يعني:
تحديد فترات انتقالية أوسع وأكثر مرونة ووضوحًا لضمان التكيف التدريجي.
تطبيق تعديل مرحلي في سن التقاعد المبكر وسنوات الخدمة، بدلاً من القفزات المفاجئة وارتفاعات كبيرة.
حماية من اقتربوا من سن التقاعد عبر وضع قواعد انتقالية عادلة تضمن حقوقهم.
الخلاصة أن النقاش الجاد والحقيقي يجب ألا يقتصر على نقطة التعادل وحدها، بل ينبغي أن يتسع ليشمل بنية المعادلة الاكتوارية بكل عناصرها، وكيفية توزيع عبء الإصلاح بعدالة بين الأجيال المختلفة، وعندها فقط يمكننا تحقيق التوازن المنشود بين الاستدامة المالية للنظام، والعدالة الاجتماعية، وتحفيز سوق العمل، وهو الهدف الأسمى الذي ينبغي أن يجمع عليه الجميع.
مثال توضيحي
في أحد البرامج الإذاعية، استمعت إلى متصل يشتكي من الظلم الذي لحق به جراء التعديلات المقترحة، وبناءً على ذلك، قمت بحساب راتبه التقاعدي والاشتراكات التي دفعها بموجب القانون الحالي، مع الأخذ بعين الاعتبار العائد الاستثماري، وتبين لي أن صافي القيمة الحالية له يتجاوز 146 ألف دينار، وهو ما يمثل زيادة عما سدده من اشتراكات.
قد يتساءل البعض عن مصدر دفع هذه المبالغ الزائدة، خصوصًا وأن النظام يفترض أن يمول نفسه بنفسه، والإجابة واضحة؛ هذه المبالغ يتم دفعها من جيوب المشتركين الحاليين والمستقبليين، مما يؤكد أهمية تحقيق التوازن والعدالة في النظام.
