«حين تتحول الدبلوماسية إلى ساحة صراع على الولاءات» سفارات ليبيا في مهب الانقسام السياسي: من تمثيل وطني إلى منصات لاستقطاب الولاءات

«حين تتحول الدبلوماسية إلى ساحة صراع على الولاءات» سفارات ليبيا في مهب الانقسام السياسي: من تمثيل وطني إلى منصات لاستقطاب الولاءات

كشف تقرير رقابي حديث صادر عن ديوان المحاسبة الليبي، الأسبوع الماضي، عن تفاقم أوضاع السفارات والبعثات الدبلوماسية الليبية في الخارج، وذلك بعد أن أظهر ارتفاعًا لافتًا في مخصصات الرواتب بنسبة 37 في المائة خلال عام 2024، مقارنة بالعام الذي سبقه.

وقد أثار هذا الارتفاع موجة واسعة من الانتقادات الجديدة الموجهة إلى حكومة “الوحدة الوطنية” المؤقتة ووزارة خارجيتها، خصوصًا فيما يتعلق بمعايير الإنفاق وآليات التعيين داخل السلك الدبلوماسي، فضلاً عن دور الترضيات السياسية وعلاقات الميليشيات في هذه التعيينات، وذلك في ظل الانقسام الحكومي والسياسي والأمني المستمر الذي تعيشه ليبيا بين شرقها وغربها منذ سبع سنوات.

استنزاف ممنهج للميزانيات

تُشير القفزة الكبيرة في مرتبات العاملين بالسفارات والبعثات الدبلوماسية، التي تجاوزت 953 مليون دينار ليبي، وفقًا لوكيل وزارة الخارجية السابق، حسن الصغير، إلى “استنزاف ممنهج” لميزانيات هذه البعثات، وقد عزا الصغير هذا الوضع إلى عوامل عدة، منها التوسع غير المبرر في أعداد الموظفين، واستحداث بعثات دبلوماسية لا تلبي احتياجات فعلية، بالإضافة إلى تضخم المطالبات المالية، حسبما صرح به لصحيفة “الشرق الأوسط”.

تفاصيل الارتفاع في نفقات الرواتب

يستند تقييم المسؤول الليبي السابق إلى بيانات ديوان المحاسبة، الذي يُعد أكبر جهاز رقابي في ليبيا، وقد أظهرت هذه البيانات ارتفاعًا في إجمالي نفقات الرواتب، كما توضح الأرقام التالية:

البياننفقات الرواتب لعام 2023نفقات الرواتب لعام 2024سعر الدولار مقابل الدينار الليبي (رسمي)سعر الدولار مقابل الدينار الليبي (موازٍ)
القيمة1,045,846,000 دينار1,999,622,000 دينار5.41 دينار8.71 دينار

تحليل أكاديمي للوضع الدبلوماسي

من منظور أكاديمي، يصف أستاذ العلاقات الدولية بجامعة بنغازي، الدكتور محمد حسن مخلوف، هذه الزيادة بأنها “غير طبيعية ومبالغ فيها” في بلد يعاني من عجز مالي يُقدر بنحو 300 مليون دولار، مؤكدًا على وجود ضعف واضح في تطبيق مبدأ الجدارة والكفاءة في التعيينات، واستخدام محاصصة المناصب كوسيلة لكسب ولاءات سياسية واجتماعية من جانب السلطات في غرب البلاد، وذلك في ظل حالة الانقسام السياسي.

كما يرى الدكتور مخلوف أن التوسع في البعثات الدبلوماسية “غير قانوني” ولم يُسفر عن أي نجاح ملموس في السياسة الخارجية لليبيا، مُعتبرًا أن هذه الممارسات تعكس خللاً في أولويات الدولة وتفريطًا في الموارد العامة، دون تحقيق أي أثر إيجابي على الأداء الدبلوماسي العام.

دعوة للتدخل القضائي

في خضم هذا الواقع، أعلن عبدالسلام أبو غالية، عضو مجلس السياسات في “الحزب الديمقراطي”، عن عزمه الطعن أمام الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا في طرابلس، بشأن عدم دستورية القانون المنظم للعمل الدبلوماسي، وهو القانون الصادر في عهد النظام السابق، ويرى أبو غالية أن هذا القانون لم يعد ملائمًا للمرحلة الراهنة، وقد ساهم في إضعاف الأداء المؤسسي عبر الاستعانة بشخصيات تفتقر إلى الاحترافية في العمل الدبلوماسي.

دفاع وزارة الخارجية

في المقابل، دافع مصدر دبلوماسي ليبي رفيع المستوى عن وزارة الخارجية، مؤكدًا لـ”الشرق الأوسط” أن ميزانية الوزارة تُعد الأدنى بين الوزارات السيادية، حيث لا تتجاوز سقف ملياري دينار، ولتوضيح ذلك، يقارن المصدر نفقات المرتبات في وزارات أخرى خلال العام الماضي، كما يتضح في الجدول التالي:

الوزارةنفقات المرتبات خلال العام الماضي (دينار ليبي)
وزارة الخارجيةأقل من 2,000,000,000
وزارة الدفاع (غرب البلاد)نحو 4,200,000,000
وزارة الداخليةنحو 4,900,000,000

ويرى المصدر الدبلوماسي أن تحميل وزارة الخارجية وحدها مسؤولية الإخفاقات القائمة يفتقر إلى الإنصاف، مشيرًا إلى أن الخلل الحقيقي يكمن في تدخل أطراف متعددة في العمل الدبلوماسي، مما أخرجه عن مساره المهني السليم، ووضع العاملين في الوزارة بين مطرقة ضعف القدرة على أداء مهامهم وسندان لوم الرأي العام.

كما أشار المصدر نفسه إلى أن الانقسام السياسي ومحاولات السلطات المتعاقبة لتقديم ترضيات سياسية لأطراف نافذة، ومجموعات مسلحة، وشبكات مصالح، قد حوّلت السفارات إلى “أداة للمحاصصة”، موضحًا أن نحو 10 في المائة فقط من العاملين في بعض البعثات هم موظفون أصليون تابعون للوزارة، بينما جرى تعيين البقية من خارج الوزارة أو حتى من خارج القطاع العام.

وأوضح المصدر الدبلوماسي أن وزارة الخارجية تتحمل أعباءً مالية إضافية تتعلق بالملاحق الصحية والعسكرية والتعليمية، على الرغم من أن هذه الكوادر تتبع في الأصل وزارات الدفاع والصحة والتعليم، منتقدًا تعيين ملاحق في دول لا تربطها بليبيا أي علاقة أو مصالح عسكرية أو عمالية.

ملاحظات التقرير الرقابي لعام 2024

كشف التقرير الرقابي الصادر يوم الأربعاء لعام 2024 عن عدة نقاط هامة، منها:

  • استحداث وظائف جديدة ضمن الملاك الوظيفي للملحقين الفنيين والعسكريين والعماليين والاقتصاديين والصحافيين.
  • تشديد إجراءات تأمين السفارات.
  • التوسع في برامج الإيفاد إلى الخارج.
  • ارتفاع ملحوظ في أعداد العمالة المحلية الأجنبية في بعض البعثات، مقارنة بعدد الدبلوماسيين العاملين فيها.

جدل متواصل حول الميزانيات الدبلوماسية

إن الجدل حول ميزانية السفارات ومرتبات الدبلوماسيين ليس أمرًا جديدًا، فقد شهد غرب ليبيا صيف العام الماضي موجة انتقادات مماثلة، مما دفع رئيس حكومة “الوحدة الوطنية” المؤقتة، عبد الحميد الدبيبة، إلى إصدار إجراءات تقشفية شملت إغلاق 25 سفارة وتقليص الكادر الدبلوماسي بنسبة 20 في المائة، وقد قوبلت هذه الخطوات بترحيب سياسي من جانب، واعتبرت محاولة لامتصاص غضب الشارع من جانب آخر.

غير أن المصدر الدبلوماسي يرى خلاف ذلك، مشيرًا إلى أن ليبيا بحاجة ماسة إلى توسيع تمثيلها الخارجي، خاصة في الدول التي تضم جاليات ليبية كبيرة، في المقابل، يؤكد الباحث علي سليم أن أي حديث عن إصلاح دبلوماسي سيبقى “شكليًا” ما لم يشمل إغلاق السفارات غير الفاعلة، وتقليص الكادر المتضخم، وربط المرتبات بالأداء والنتائج المحققة.