
بات من الواضح أن المقترحات الحكومية المتعلقة باستدامة نظام الضمان الاجتماعي لم تلقَ قبولًا واسعًا، ويعود السبب إلى توافق الجميع على مبدأ الاستدامة، لكن الخلاف يكمن في تحقيق العدالة وعدم تحميل المواطن وحده أعباء القرارات الحكومية. فالحكومة هي التي شجعت الكثيرين على التقاعد المبكر، وهناك ما يؤكد أن معظم الإحالات إلى التقاعد المبكر كانت بقرارات من وزراء ومديرين، لا بطلب من الموظفين أنفسهم، وهذا يستدعي مراعاة هذه الحقائق عند مناقشة المشروع.
الاستدامة محور النقاش
في نقاش مع الدكتور مصطفى حمارنة، أكد على أن الهدف الأسمى هو استدامة الضمان، وعاتبني لقولي إن الاستدامة لا ينبغي أن تتقدم على حقوق المواطنين. اتفقنا على أن الاستدامة مبدأ لا جدال فيه، بينما التفاصيل تتطلب نقاشًا معمقًا لضمان ألا تسحق الاستدامة حقوق أي مواطن، فالتضحية مطلوبة من الجميع. لقد توافقنا على أهمية الاستدامة، والاستثمار الناجح، والإدارة الفعالة للموارد، مع التأكيد على عدم التفريط بحقوق أي مواطن، وعدم تحميل الأعباء لفئة دون أخرى.
قضية الموظف المفصول: تداعيات قرارات التقاعد
لنتأمل حالة الموظف “س” الذي فُصل من عمله، وعمره 47 عامًا، وقد سدد جميع الأقساط المطلوبة، وكان ينتظر بلوغ سن الخمسين ليحصل على راتب يؤمن له عيشًا كريمًا. بموجب قانون الضمان الجديد، بات عليه الاستمرار في دفع أقساط إضافية لمدة 18 عامًا، ما يعني دفع حوالي مئتي ألف دينار ليتمكن من الحصول على راتبه عند بلوغه سن الخامسة والستين. فكيف لموظف فُصل من عمله، لأسباب تتعلق بنزاهته، أن يسدد هذا المبلغ الضخم للحكومة؟ ومن يمكن أن يقبل بمثل هذا الظلم؟ هذه الحالة، ومئات غيرها، تتطلب معالجة فورية، ولن تعيق هذه المعالجة مسيرة الاستدامة أو الاستثمار أو الإصلاح.
أسلوب الحوار: نحو نقاش هادئ وبناء
شهدنا تبادلًا للاتهامات بين مؤيدي الاستدامة، وهم قلة، والمواطنين الذين تضرروا بشدة من التعديلات غير المعقولة. المطلوب الآن هو نقاش هادئ وبناء يجمع الحكومة والمتضررين وخبراء غير حكوميين للبحث عن حلول تضمن استدامة الضمان دون إلحاق الأذى بأي مواطن. المواطنون يرحبون بتوزيع الأعباء بعدالة، لكنهم يرفضون القرارات الفوقية والمشكوك فيها التي تُفرض دون مشاركة. الحاجة ماسة إلى حوار هادئ يهدف إلى إنقاذ الضمان بعيدًا عن الخطابات السلطوية أو الشعبوية الرنانة.
دور البرلمان: استعادة القيمة والقرار
لقد أبدى عدد من النواب، من غير اليساريين، رفضهم لمشروع القانون المقترح. وقد تجد الجهات التي هندست هذا المشروع صعوبة هذه المرة في تأمين النصاب اللازم لدعمه، وإذا لم تتدخل هذه الجهات، فمن المرجح أن تعجز الحكومة عن حشد دعم النواب، حتى لو وُعدوا بمغريات كبيرة. إن تحقق هذا السيناريو سيعيد القيمة لمجلس النواب ويعزز دوره، مما يصب في مصلحة الوطن وخيره.
مقترحات الدكتور مصطفى حمارنة لحلول شاملة
خلال حوارنا صباح اليوم، ركز الدكتور حمارنة على أهمية قبول مبدأ الاستدامة، بالتوازي مع مناقشة قضايا جوهرية مثل:
- ضمان حقوق المواطنين.
- رفع وصاية الحكومة عن صندوق الضمان.
- استرداد الضمان لجميع ديونه المستحقة.
- مساءلة من أوصلوا هذا النظام إلى وضعه الراهن.
- مساءلة الحكومة والهيئات التي لا تُجرؤ على نقدها عن أسباب اتخاذ قرارات الإحالة على التقاعد المبكر.
- توزيع الآثار السلبية للاستدامة على الجميع بعدالة، وذلك من خلال تخفيض نسبة الرواتب بشكل تصاعدي، على غرار ما تطبقه الحكومة في استهلاك الكهرباء والماء، مما يدل على فهمها لمفهوم التخفيض التصاعدي.
