«خلف كواليس طهران» آليات حكم الجمهورية الإسلامية تكشف عن سطوة التيارات وتهميش دور الأحزاب الرسمية

«خلف كواليس طهران» آليات حكم الجمهورية الإسلامية تكشف عن سطوة التيارات وتهميش دور الأحزاب الرسمية

تُسلط “تواصل نيوز” الضوء على سؤال جوهري في المشهد السياسي الإيراني، وهو: “لماذا تُدار إيران بالتيارات لا بالأحزاب؟”، وذلك في مقال نُشر اليوم السبت الموافق 17 يناير 2026، الساعة 07:14 صباحاً. تُقدم الجمهورية الإسلامية في إيران للعالم نموذجاً فريداً من “الديموقراطية الدينية”، يرتكز على صناديق الاقتراع لكنه يفتقر إلى محركاتها التقليدية الأساسية، والمتمثلة في الأحزاب السياسية المستقلة. فمنذ قرار حل “حزب الجمهورية الإسلامية” خلال ثمانينيات القرن الماضي، استُبدلت الهياكل الحزبية المستدامة بـ”أجنحة” و”تيارات” موسمية، تظهر مع كل استحقاق انتخابي ثم تختفي لاحقاً خلف ستائر مراكز القوى السيادية.

لم يكن هذا التغييب الممنهج للأحزاب مجرد إجراء تنظيمي، بل كان استراتيجية محكمة لضبط إيقاع التعددية السياسية تحت سقف “ولاية الفقيه”، بحسب ما يؤكده معارضو النظام. واليوم، في ظل الانتفاضة الشعبية والمطالب المتزايدة بالتغيير الجذري، يبرز السؤال الجوهري الملحّ: هل كان الشارع الإيراني لينفجر بهذا الشكل العفوي والصدامي لو امتلكت إيران أحزاباً حقيقية، تتمتع بحصانة دستورية وقواعد جماهيرية واسعة؟

يرى مراقبون أن غياب “الوسيط الحزبي” الفاعل، القادر على امتصاص الأزمات وتحويل المطالب الشعبية إلى برامج سياسية واضحة، هو ما فجّر الصدام المباشر بين الشارع ورأس السلطة، وحوّل بذلك الحراك من مجرد “مطالب إصلاحية” إلى “أزمة وجودية” تهدد النظام برمته.

من بيروت، يوضح الخبير في الشأن الإيراني الدكتور محمد شمص أن الدستور الإيراني لا يمنع الحزبية صراحةً، لكنه عمل على صهرها ضمن “قوالب” كبرى محددة.

الفلسفة الحزبية في طهران

يؤكد الدكتور شمص، في حديثه لجريدة “النهار”، أن الدستور في الجمهورية الإسلامية ينصّ صراحة على حرية تشكيل الأحزاب والجمعيات المدنية، ولكن ضمن أطر قانونية محددة تتماشى مع مبادئ النظام الإسلامي وسقف الدولة. وبناءً على هذه الأطر، تعجّ الساحة الإيرانية بعشرات الجمعيات المرخصة، التي تمثل كافة شرائح المجتمع الإيراني المتنوع، بما في ذلك الأقليات الدينية من مسيحيين، وأرمن، ويهود، وزرادشت، والذين يتمتعون بتمثيل حزبي وحضور فاعل داخل المجلس النيابي.

ويوضح شمص أيضاً أن الأحزاب العريقة، مثل “الحزب الجمهوري” التاريخي، والأحزاب الحالية كـ “حزب الاعتماد” و”حزب المؤتلفة”، لم تتلاشَ تماماً، بل انضوت وتكتلت لاحقاً ضمن تيارين عريضين ومؤثرين هما: التيار الإصلاحي والتيار المحافظ. ويشبه هذا النموذج إلى حد كبير النظام السياسي الأميركي، حيث تنضوي مئات الجمعيات والاتحادات تحت لواء الحزبين الكبيرين (الديموقراطي والجمهوري). وفي السياق الإيراني، تتنافس هذه الأحزاب تحت مظلة التيارين الرئيسيين عبر صناديق الاقتراع، بينما تظل بعض الجمعيات الأخرى خارج هذا الاستقطاب الثنائي، وغالباً ما تكون حظوظها الانتخابية أضعف.

صراع البرامج: “الكتلة الرمادية” وميزان القوى

يرى الدكتور شمص أن المنافسة السياسية في إيران هي منافسة “برامج عمل” بامتياز، وليست مجرد شعارات جوفاء، حيث يبرز الخلاف الجوهري في رؤية كل طرف للعلاقة مع الخارج. فبينما يدفع الإصلاحيون باتجاه علاقات قوية مع الغرب قائمة على التفاهمات المتبادلة، يتمسك المحافظون بضرورة الندّية وعدم تقديم تنازلات مجانية. وينعكس هذا الصراع باستمرار في انتخابات دورية تشمل كافة مستويات الحكم، من رئاسة الجمهورية إلى المجالس المحلية.

أما عن خريطة الناخبين، فيكشف الدكتور شمص عن أرقام لافتة تُظهر التركيبة الأساسية للقاعدة الانتخابية في إيران:

التيار/الشريحة عدد الناخبين التقديري
التيار المحافظ حوالي 20 مليون ناخب
التيار الإصلاحي حوالي 20 مليون ناخب
الشريحة الرمادية 5 إلى 10 ملايين ناخب

وتمثل “الشريحة الرمادية” جمعيات تقع خارج القطبين الرئيسيين، وهي غالباً ما ترجح كفة أي من التيارين في الانتخابات.

في المقابل، يقدم الخبير في الشؤون الإيرانية الدكتور حسن هاشميان، من واشنطن، وجهة نظر مغايرة تماماً، تصف المشهد السياسي الإيراني بـ “الديكتاتورية المغلفة بالانتخابات” في تباين واضح مع الطرح السابق.

مجلس الخبراء… من “الرقابة” إلى “مجلس النيام”

يرى الدكتور هاشميان أن مفهوم “الجمهورية” في طهران أصبح مجرد “بضاعة مزيفة” تُصدَّر للخارج، وذلك بهدف تلميع صورة نظام يرتكز في جوهره على سلطة فردية مطلقة وغير مقيدة.

وفي حواره مع جريدة “النهار”، فكّك الدكتور هاشميان آليات الحكم الإيراني، التي يصفها بأنها تجاوزت حدود السلطات التاريخية التقليدية بكثير.

يفتح هاشميان النار على الهيكل الدستوري للنظام الإيراني، مشيراً إلى أن الولي الفقيه، السيد علي خامنئي، “يمارس سلطة مطلقة منذ 36 عاماً، دون خضوع لأي مساءلة أو عقد مؤتمرات صحافية”، مما يعزز فكرة السلطة الفردية.

ويركز الدكتور هاشميان بشكل خاص على “مجلس الخبراء”، الذي يُعد المسؤول دستورياً عن اختيار وعزل المرشد وفقاً للمادة 107 من الدستور، واصفاً إياه بـ “مجلس النيام”. فقد تحوّل هذا المجلس، في رأيه، من هيئة رقابية إلى “مجلس مديح يضم مجموعة من الطاعنين في السن الذين يدينون بالتبعية المطلقة للمرشد”، مما يفقد دوره الأساسي.

ويوضح هاشميان أن النظام يستخدم آلية “رفض الترشيح” (Vetting) كأداة هندسية فعالة “لإقصاء أي صوت معارض”، حتى وإن كان من داخل الدائرة الإسلامية نفسها، مما حوّل المؤسسات المختارة إلى ما يشبه “عصابة تتبع المرشد بنسبة 100%”، في إشارة إلى سيطرة كاملة.

ويؤكد أن هذه “الهندسة السياسية” تكتمل يوم الاقتراع، حيث تسيطر الأجهزة الأمنية، كالحرس الثوري وقوات الباسيج، على فرز النتائج بشكل مباشر، مما يجعل الأرقام المعلنة للمشاركة الشعبية محل شك كبير، ويُجرد بذلك مفهوم “الجمهورية” من مضمونه الحقيقي والديمقراطي.

نهاية ثنائية الإصلاح والمحافظة

فيما يخص العلاقة مع واشنطن، يرى الدكتور هاشميان أن الولايات المتحدة تدرك جيداً أن “القرار الفعلي في إيران محصور بيد المرشد الأعلى ومافيات الاقتصاد الملحقة بالحرس الثوري”، مؤكداً أن واشنطن “لا تهتم بشكل النظام بقدر اهتمامها بنتائج قراراته” على الساحة الإقليمية والدولية.

ويشير إلى وجود نوع من “التخادم” غير المعلن بين الطرفين، حيث يحافظ النظام الإيراني على المصالح الأميركية الحيوية، مثل المصالح النفطية والقواعد العسكرية، في المنطقة، وذلك على الرغم من الشعارات المعادية الظاهرة. ويضيف أن هذا التخادم ظهر جلياً في ملفات مثل العراق واليمن، مما يثير تساؤلات حول التوجهات الحقيقية.

أما عن الوضع الداخلي الإيراني، فيؤكد الدكتور هاشميان أن “التيار الإصلاحي” قد انقسم إلى شقين: الأول قبل بالمكاسب الاقتصادية وبقي تحت عباءة المرشد، فيما أدرك القسم “الحقيقي” الآخر، الذي يمثله شخصيات مثل تاج زاده ونرجس محمدي ومير حسين موسوي، أن الإصلاح الجذري مستحيل دون المساس برأس السلطة العليا. ونتيجة لذلك، كان مصير قادة هذا التيار الحقيقي السجون والإقامات الجبرية، مما يعكس قمع الأصوات المعارضة.

وقد دفع هذا الانسداد السياسي، بحسب الدكتور هاشميان، الشارع الإيراني إلى تجاوز ثنائية (إصلاحي/محافظ) التقليدية، ورفع شعار “تغيير النظام بالكامل”. ويعتبر هاشميان أن الضربة التي تلقتها كوادر النظام مؤخراً في الصراع مع إسرائيل، أدت إلى تخلخل واضح في مركزية اتخاذ القرار، مما قد يسرع وتيرة التغيير المنشود.