دعوة رئاسية للحسم التردد مقبرة الفرص الثمينة

دعوة رئاسية للحسم التردد مقبرة الفرص الثمينة

في قمة الحكومات العالمية بدبي، أطلق سمو رئيس مجلس الوزراء الشيخ أحمد العبدالله مقولة جوهرية بأن “المستقبل لا ينتظر المترددين”، وهو قول يثير الأمل، ويجعلنا نتطلع ألا يكون سموه، ومجلس وزرائه، من هؤلاء المترددين، فالتاريخ مليء بأقوال المسؤولين والفقهاء التي تظل حبراً على ورق، لتتعلق في أذهان الناس دون أن تُترجم إلى أفعال ملموسة.

تاريخ التردد والتقاعس في الكويت

الكويت اليوم في أمس الحاجة، كما أشار سموه، إلى “الجرأة في اتخاذ القرار، والسرعة في الإنجاز، والشراكة الحقيقية”، وهي سمات غابت عن المشهد السياسي منذ عام 1962، أي منذ تشكيل أول مجلس وزراء في البلاد. فخلال هذه الفترة، شهدنا 47 وزارة، تعاقب عليها نحو 530 وزيراً، كان جل عملهم ينصب على المداراة السياسية، سواء لمجلس الأمة أو لذوي النفوذ، وذلك بهدف تجنب المساءلة البرلمانية أو لتجنب المواجهة الشاملة بين الحكومة والمجلس.

هذا الوضع ألقى بظلاله على الكويت طوال العقود الستة الماضية، حيث تراجعت البلاد بين مطرقة التردد وسندان التقاعس في تنفيذ المشاريع التنموية، ويعود ذلك بالأساس إلى غياب رؤية واضحة أو مشروع تنموي حقيقي، نتيجة الصراع المستمر بين السلطتين، وتدخلات أصحاب المصالح الشخصية التي أثرت سلباً على مسار التنمية.

تقلبات المناصب الوزارية وتأثيرها

في خضم هذه البيئة السياسية المتقلبة، لم يستقر المنصب الوزاري، مما دفع الوزراء للتعامل مع المشكلات بحلول مؤقتة أشبه بالمسكنات، إدراكاً منهم أن فتراتهم قصيرة ولن يكملوا مهامهم. هذا النهج كان يؤدي إلى ترك الأمور معلقة دون حلول جذرية، ليتولى الوزير اللاحق ذات المشكلات، وبذلك يتجنب الوزير السابق أي أعباء أو وضع رأسه السياسي تحت مقصلة المحاسبة البرلمانية.

لقد بلغ الأمر حداً مذهلاً، حيث صدرت مراسيم تعيين لوزراء في المساء، ليقدموا استقالاتهم في الصباح التالي، أو يتم إقالتهم، بل هناك من أُقيل بعد أيام قليلة أو بعد شهرين فقط، بسبب عدم إرضائه لهذا النائب أو ذاك، مما يعكس مدى عدم الاستقرار والتأثير الخارجي على العمل الحكومي.

هذا النمط المتكرر كان سبباً رئيسياً في تراجع الأداء الحكومي، وتأخر المشاريع التنموية الحيوية، فلو أن هذه المشاريع أُنجزت في أوانها، لوفرت على الدولة الكثير من الموارد، وزادت قيمتها السوقية، فمن المعروف أن التضخم السنوي يحد من القوة الشرائية للمال السائل، بينما تزداد قيمة الأصول المادية مثل البنية التحتية والمشروعات التنموية مع مرور الوقت.

هيمنة قوى الضغط ونتائجها

لقد عاشت الكويت فترات طويلة من التردد الذي طال كل مجالات الحياة، ويعود السبب في ذلك إلى هيمنة قوى الضغط الاجتماعي والسياسي التي كانت تفوق قوة الحكومات المتعاقبة. هذه الظاهرة تفاقمت نتيجة العلاقة الملتبسة بين السلطتين، خاصة في العقود الثلاثة الماضية، حيث تجاوز النواب صلاحيات الوزراء، بل والحكومة ككل، لدرجة أن نائباً واحداً كان يمتلك القدرة على إيقاف قرار وزاري بمكالمة هاتفية، مما كبد الدولة خسائر فادحة في مالها العام وسمعتها الدولية، وأدى ذلك في النهاية إلى تراجع الاقتصاد الكويتي وتعطل عجلة التنمية.

فرص اليوم ودور مجلس الوزراء الحالي

اليوم، يختلف الوضع تماماً، وهناك فرص واعدة وكبيرة متاحة أمام مجلس الوزراء الحالي، الذي يتوجب عليه استغلالها كلها إن أمكن، فالمثل يقول: “أن تأتي متأخراً خير من ألا تأتي أبداً”. تمتلك الحكومة الحالية، كما نقول بالعامية، “الخيط والمخيط”، فهي تتمتع بسلطتين، تشريعية وتنفيذية، وأي تردد في اتخاذ القرارات اليوم سيكلفها الكثير وهي في غنى عنه. بل يتوجب عليها دراسة القرارات بعمق وتأنٍ، لئلا تترك مجالاً لأي ثغرات قد تضطرها للتراجع عنها مستقبلاً.

لقد شهدنا في الأشهر الماضية العديد من الإجراءات التي وصفها الخبراء بالتسرع، مما اضطر مجلس الوزراء للتراجع عنها، وقد نتج عن ذلك خسائر في المال العام وأضرار بالناس، فضلاً عن تأثير سلبي على سمعة مجلس الوزراء، وهذا بحد ذاته مؤشر على أن التردد، حتى في التراجع عن قرار خاطئ، يمكن أن يكون مؤذياً على كل المستويات. لذا، يجب دراسة أي إجراء جديد من كافة جوانبه، وتقييم تداعياته المحتملة على الاقتصاد والمواطنين بعناية فائقة.

على سبيل المثال، كما أشرنا سابقاً في موقع “أقرأ نيوز 24″، فإن مشاريع البنية التحتية، سواء كانت خدمية أو ترفيهية أو غيرها، يمكن أن توفر على الكويت مليارات الدنانير التي تُنفق حالياً في الخارج. فغياب خيارات الترفيه المحلية يدفع الكويتيين والمقيمين للسفر خارج البلاد بحثاً عن أماكن للفرح والاستجمام، وهذا مجرد جزء بسيط مما يمكن لمشاريع الترفيه أن توفره. والأمر ذاته ينطبق على قطاعات حيوية أخرى مثل الصحة والطبابة والتعليم، وغيرها الكثير من المشاريع التي تحتاجها الكويت بشدة.

النجاح والفرص: رؤية حاسمة

بناءً على ما تقدم، فإن النجاح ممكن دوماً متى توفرت الرؤية الواضحة والإرادة القوية، فبعض الفرص تظهر مرة واحدة في العمر، والتردد ليس سوى مقبرة لها. لذا، نؤكد لسمو رئيس مجلس الوزراء: إذا سنحت فرصة رابحة، فاغتنمها بكل حزم وجرأة.